في بيت مدني صالح

2023-01-02

حيدر المحسن

مقابل النفس العذبة، تقف أمامنا في معرض الحياة جوقة كاملة من ذوي النفوس الجافية والغامضة والثقيلة والمرة والسافلة، لكل منها صورة شخصية داخلية وبناء سايكولوجي مختلف، وإن اجتمعتَ بهؤلاء جميعا في مكان واحد، فإنك مريض لا محالة، ولا يشفيك من الداء غير امرأة أو رجل لها أو له نفس نقية، تمتصها وتمتصه الحلاوة حتى الجذر.

كيفما يكُنِ المرء يكنْ بيتُه، أيا يكن المجتمع والعِرق والشعب والعصر الذي نعيش فيه، فالبيت يكشف عن سر كياننا المخفي بعناية شديدة، ولا يتجلى أخص طباعنا في شيء كما يعلنه لون باب البيت وشكله ونوع البناء والأثاث، حتى أولئك الذين يعيشون بلا مأوى يصح عليهم هذا المقال، ويؤثر المكان كذلك في النفس بوجه خاص من خلال النور الذي يعكسه. إن البيت يتضمن أسلوبا في طرق المعيشة يختص به كل منا، المتأدبون والعلماء والعامة والغوغاء والرعاع. ولأني زرت بيت الفيلسوف الأديب مدني صالح منذ حوالي ثلاثة عقود، فإن ما شاهدته يقف الآن في خاطري تماما مثلما كان، لكن مرسوما بألوان مائية.

هو أستاذ الفلسفة في جامعة بغداد، يعود في أصله إلى مدينة (هيت) غربَ العراق. سافر في بعثة دراسية إلى أوروبا، وأمضى هناك سنين دراسة الدكتوراه، لكنه اختلف أخيرا مع القائمين بالأمر، وعاد إلى بلده مفضلا التأمل والبحث والتأليف الأدبي والفلسفي. كتب مدني صالح المقالة الأدبية والفلسفية والقصة -أطلق عليها اسم مقامة، وهذه هي التي تهمني هنا.

بيت الفيلسوف الأديب كائن في حي اسمه (الغزالية) يقع في أبعد مكان من الجهة الغربية من العاصمة بغداد، وتسكنه الطبقة المتوسطة في عز فقرها في عراق تلك السنين، والسبب هو انخفاض سعر صرف الدينار العراقي عقب حرب تحرير الكويت، كان الأستاذ الجامعي يستلم مرتبا لا يتجاوز خمسة دولارات، ولهذا هاجر أغلب أصحاب الكفاءة إلى الخارج، وظل من بقي في الداخل يعيش بأن يبيع من لحم كتفه – مثلما يقول المثل. وسط عالم مضطرب تعمه الفوضى، يستعمل مدني صالح اللغة الفصحى في الزقاق الذي يقع فيه بيته. لا توجد علامة دالة على المنزل، وعندما سألتُ عنه، أجابني بعض سكان الحي:

– هل هو الرجل المنعزل الذي يتكلم بالعربية الفصحى؟

كان الظلام شاملا وشفافا وقتَ زيارتي فلم أتبين لون السياج والجدران والشرفة. الباب مصنوع من حديد ومطلي بدهان أبيض. الصمت يخيم، وهناك على اليمين حديقة فوضوية لكن صاحبها لم يكن مولعا بالأعشاب، ولعل سبب إهمالها يعود إلى ظروف الحرب الاقتصادية التي شنها العالم جميعا ضد العراق. وخطواتي تطأ الدار، كنتُ أفكر في أن أحلام إنساننا العراقي تتربى في هذا المكان غير المعلوم على الخريطة، لكنه سوف يبقى حتما معروفا للأجيال القادمة، لأنه بيت مدني صالح، بالإضافة إلى الحديقة الفوضوية، هناك سيارة مرسيدس قديمة متروكة في الطارمة – يعود موديلها إلى زمن السبعينيات عندما كانت الدولة العراقية تُهدي عجلة من هذا النوع إلى أصحاب الشهادات العليا – ويُضاف إلى قِدمِها أن عجلاتها مستهلكة تماما إلى حد أن حديدَها يبين منها. لم يكُنِ الفصل شتاء ولا صيفا، والوقت كان يطفو بين الغروب وأول الليل، وأعشاب الحديقة العالية تذوب في ألوان النهار المنتهي. ثم دخلتُ الصالة، وفاجأني مشهد سرير النوم الحديدي العتيق يجلس عليه الرجل الفيلسوف، وكان مقعدي من النوع الرخيص والمستهلك، وفي الجانب البعيد منا جهاز تلفزيون بالأسود والأبيض.

كانت أبعاد الصالة التي جمعتنا بضعة أمتار طولا وأقل منها عرضا، ولم يكن فيها من أثاث غير ما ذكرته: فيها سرير حديد، وكرسي حديد، وتلفزيون فيه الضوء والصوت واللمعة والإشعاع. باع الفيلسوف الأديب أثاث بيته كله، وأبقى على ما هو ضروري له، وليس له قيمة في السوق، واحتفاظه بالتلفزيون يحمل معنىً كاريكاتيريا في رأيي، فقد كانت عائلة الرجل منهمكة في تلك السنين في مصارعة ثور الجهل الذي ينشره هذا الجهاز اللعين، تقف وراءه آلة الإعلام والدعاية في الدولة العراقية السابقة، «زيوس» آلهة ذلك الزمان. التلفزيون ضروري للتواصل مع أبعد نقطة في الدولة العميقة، كما أن القرارات التي تخص المواطنة والعمل والحقوق والمصالح وغير ذلك، كانت تُذاع من قبل رئيس الدولة خلال جولاته الترفيهية بين البيوت والمحلات والدوائر الرسمية، وتأتي أحيانا متناقضة بين زمن قصير وآخر، وهذه الظروف أوحت للأديب كتابة قصة «حرنابك» كما أن هناك توافقا في المكان بين فقره، والبهجة الفقيرة التي كان تلفزيون العراق يمد بها المواطنين. إن في منزل الفيلسوف ما يمكن أن نطلق عليه اقتصاد البقاء على قيد الحياة، فلا يوجد ما يدل على أي نوع من الرفاهية، أما عجلة المرسيدس فهي عاطلة تماما، وليس لدى الأديب المال اللازم لتأهيلها للعمل، وهكذا أبقاها شاهدة على أيام عز أفِلَت ولن تعود. حَييتُ الرجل، وكان يبين على محياي التعب لأني بلغتُ المنزل بعد جولات عدة في أزقة الحي.

– أنا لا أزور ولا أُزارُ!

قال مدني صالح، بمعنى أن لا أحد يعرفه هنا، ولا يتعرفُ هو على أحد. أليس هو جواب الفؤاد الشافي على غطرسة الزمان، وعلى الرثاثة والهشاشة ورخص الحال الذي يعيش فيه المواطنُ، أخو مدني صالح، وابن عمه وخاله، ومن بني قومه في عهد عراق حزب البعث الثائر منذ عام 1968 حتى 2003؟ لو سأل أحدنا نفسه عن الزمن الذي يفصلنا عن الدول المتحضرة التي تعيش شعوبها في بحبوحة، لكان الجواب هو مئات السنين تُبعدنا عن الطريق إلى الحضارة، هذا إذا كنا نسير في الاتجاه الصحيح. لكن ماذا لو كانت وجهتنا الاتجاه المعاكس؟ لخص مدني صالح في مقامة «الحرنابك وعذاب صبرية» السبب الرئيس في تخلف الدول التي ننتمي إليها، حتى إن منزلة العالم الثالث التي كنا نعيشها في سبعينيات القرن الماضي صارت انعكاسا لقماشة حلُم متهرئة لا نناله إلا إذا صاحبت نومنا الحمى والهزال الشديد، ويُعطي الطب الحالة اسما غير شائع هو الهُلاس، ومنه جاءت أفانين الهلوسة التي لا يطلع النهار على من يعاني منها وهو بحال تشبه ما لبقية البشر. إن كاتب القصة لا يريد خلق عالم بكامل التصديق في دقة، فلا بد من استعادة الواقع إلى واقع آخر لا يكون القاص فيه دخيلا، وتشذ عن هذه القاعدة من بين القصص العظيمة التي قرأتُها مقامة «الحرنابك» فقد فرش مدني صالح حروفها على البيئة التي يعيشها، وجاءت مطابقة لها تماما. تبدأ المقامة بهذا السطر المثير للشجن والضحك في آن واحد: «استلقى (عذاب) على ظهره فوق الحصير، ورفع رجليه عاليا إلى أقصى ما يستطيع، وأسند قدميه على الجدار، وصاح: ماء! ماء! اجلبي لي ماء. وركضت (صبرية) إلى حباب الماء وملأت الدلو ماءً وحملته مسرعة إلى عذاب لتجد أن عذاب قد بدل رأيه وأنكر أنه طلب ماء.

– أقول اجلبي لي دبسا وتجلبين لي الماء! صاح عذاب بزوجته. تأتيه بالدبس ويقول لها هذا دبس أصفر وأنا طلبت دبسا أسودَ. وتلبي له ما يريد، لكن مزاجه يقول له في تلك الساعة أن تمزج الدبس الأصفر بالأسود وتفصلهما الواحد عن الآخر: «وزهقت صبرية التي أعجزها الأمر وصاحت:

– حِرنا بكَ! حيرتنا! حِرنا بكَ يا عذاب! فتلقف عذاب الكلمة وصاح:

– أريد الحرنابك إذن، أريد حرنابك». تفتش صبرية السوق عن هذا الحرنابك دون جدوى، وفي طريقها يسمعها طفل وامرأة ورجل، ويصيرون يطلبون من البائعين الشيء نفسه: «وصار الناس بعد أسبوع لا يسألون في الأسواق إلا عن الحرنابك. تصوره بعضهم من المأكل، وتصوره بعض آخر من المشرب أو الملبس، ولم يعرف سره إلا صبرية، ولم يطلبه عذاب إلا للمشاكسة والتعجيز. بطل القصة مجنون مدلل، إن صح التعبير، والمغزى السياسي واضح، رجل يتحكم بمصير بيته ويعيش حالة يمكن أن ندعوها بهُلاس العقل، و»إذا أراد الله سوءا بأحدٍ هلسَ -في الأصل أفسدَ – له عقله» كما قالت العرب. إن مقامة الحرنابك تصح في عراق الماضي والحاضر، وكذلك البلدان المتخلفة التي تشبهه، وهذان الزمنان مسؤولان عن المستقبل، فلا شيء يأتي من لا شيء، مثلما يقول شكسبير.

كاتب عراقي








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي