

لندن - شبكة الأمة برس الإخبارية - تضوعت أروقة مسرح "كوليزيوم" وسط العاصمة البريطانية لندن عبق التاريخ القادم من صحراء الامارات في عرض فني مبهر لفرقة كركلا اللبنانية جسد سيرة الشيخ زايد مؤسس دولة الامارات العربية.
وأرتدى التاريخ في "زايد والحلم" عباءة النور واستسالت الانغام في فضاءات القاعة اللندنية المدججة بالفخامة في حدث فني نادر أبهر الجمهور الانكليزي، فيما وجد المغتربون العرب فرصة لاستعادة الزمن الاماراتي الذي حول الحلم الى حقيقة.
واستوحى الفنان عبد الحليم كركلا أجواء السيرة الاسطورية لحياة الشيخ الراحل زايد بن سلطان وتداعياتها، من دلالة جغرافيا المكان وتاريخ الانجاز، في العمل الذي اشرف على اعداده وقام بإلاخراج ابنه إيفان، وصممت الرقصات ابنته اليسار، وقام بتأليف الموسيقى الفنان الإيراني محمد رضا علي كولي.
وكشف الفنان عبد الحليم كركلا في حديث لـ"ميدل ايست اونلاين" قبل العرض الاول في رواق مسرح "كوليزيوم"، أنه مكث مع فريق العمل في صحراء الامارات لعدة اشهر وصور الافق واستوحى دلالة المكان لتتوائم التعبيرية الفنية مع واقعية الجغرافيا وتسرد اسطورة التاريخ المعاصر.
وأكد عبد الحليم كركلا الذي منحه رئيس دولة الامارات الشيخ خليفة بن زايد ال نهيان وسام الاستقلال من الدرجة الاولى "ان المادة التاريخية التي وفرتها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث كانت ساندة للعمل، لكن الدلالة تكمن في ايحاء صورة الانجازات التي جسدها الشيخ زايد بطريقة ابداعية".
وقال انه استوحى دلالة الفرسان القادمين من عمق التاريخ بمواصفات المروءة العربية والحق والصدق والايثار والشجاعة، في توائم تعبيري مع جغرافيا المكان، لتجسيد دور الطبيعة الواهبة في لحظة ولادة الشيخ زايد "فحتى الطبيعة اشتركت في ولادة الشيخ زايد كهبة لأرض الامارات، حوّل السراب إلى ماء، رفض الاستسلام والركود، بنى دولةً غدت أسطورة للزمن الحديث".
ولم يتفاجأ المعد والمشرف على المسرحية عبد الحليم كركلا بالاستجابة المتميزة للجمهور الانكليزي في العرض الاول الاحد، وأكد انه لمس ذلك عند تقديم العمل في باريس "أننا نقدم في (زايد والحلم) قيمة ابداعية وانسانية تسرد تاريخية بناء دولة بامتياز، لكنها تمثل صورة انسانية شاملة".
واضاف: "وهذا يفسر دلالة الاستعانة بفرقتين فنيتين من اوكرانيا والصين للاشتراك في العمل، فابوظبي الان تعد مركزا ثقافياً عالمياً استقطبت الاضواء اليها مثلما استقطبت فنون الحضارات".
وبدأ عبد الحليم كركلا عمله الفني عام 1968 بتكوين أول مسرح راقص في العالم العربي، وقام بتأسيس فرقة كركلا اللبنانية التي أوجد معها لغة جديدة في عالم الاستعراض الغنائي مستوحياً من التراث العربي ومرتكزاً على التقنية المعاصرة للفن الحديث.
وكانت صحيفة "دايلي تلغراف" البريطانية قد وصفت فرقة كركلا بانها شقت طريقها الى قلوب الجمهور بإخراجها الرائع ورقصاتها المبدعة.
وسيعرض العمل مساء يومي الاثنين والثلاثاء في مسرح "كوليزيوم" وسط العاصمة البريطانية لندن.
وأشار محمد خلف المزروعي مدير عام هيئة أبوظبي للثقافة والتراث الذي تابع تداعيات عرض "زايد والحلم" في لندن بعد عروض بيروت وباريس الى "إن الفن يتموضع في تاريخ الشعوب في مرتبة عالية تتصل بالهويّة والمقياس الحضاري، وتعبر الفنون عن روح الشعب وتشكّل ذاكرته الجماعيّة، وإن انتعاش حركة الشعر والأدب والمسرح لهو دليل على تطوّر المجتمع".
وأضاف المزروعي: "مع زايد والحلم تحقّقت قيمتان أساسيّتان، القيمة الفنيّة والقيمة التاريخيّة، بحيث حمل العمل القيمة التراثيّة وأعاد ضخّها فنيّاً لصالح المجتمع الذي بدوره سيعيد تشكيل ذاته على طريق القيم والفن".
ويبهر العمل الذي يشترك في أدائه 160 فنانا بحيوية الحركة المتسقة مع اللون والازياء والموسيقى، اضافة الى المؤثرات والعرض الفيلمي المرافق للاداء الراقص.
واستغرق العرض فصلين على مدى 45 دقيقة لكل فصل قدمت خلالهما مشاهد تحكي عن قائد حفر اسمه الزمان، وكان قدره مواجهة الصعاب، لكن حلمه الذي بات بحجم الحياة يجعل كل تلك الفضائل متحفزة لا تنام .. الصبر والشجاعة والحق والإيمان والخير والحكمة والشرف، فتنهار الصعاب ويخضع المستحيل فاتحا أبوابه أمام النهضة والعمران وتوحيد الشعب.
ويستهل العرض بالصوت الاماراتي القادم من صفاء الصحراء وتوظيف مشهد البئر ودلالة الماء عنما يبث الروح في الارض، كما يحمل المؤدون سلال الخوص في استعارة لطعام أهل الصحراء حيث النخلة هي الأم.
وعبر الراوي "الذي حول النص الى اللغة الانكليزية في عرض لندن، مثلما حول الى الفرنسية في عرض باريس" الذي يجسد صوت التاريخ ويروي الاحداث مآثر القائد الحالم، فيما توحي القصائد التي اختيرت بعناية من الشعر العربي "المتنبي" وأرث الشعر النبطي الاماراتي بحسية تعبيرية متسقة مع الحدث التاريخي المتصاعد.
وكان الراوي شاهدا تسكنه الدهشة من سر هذا القائد الذي حول العداوة إلى أخوة وبحكمة عميقة وبساطة شفافة راح يقطف نجوم المجد ويزرعها في صحراء أمته لتغدو أمة فخورة بين الأمم.
وياتي صوت المطربة "وعد" في واحدة من أكثر اللوحات تعبيرا عن التراث الإماراتي "حبكم وسط الحشا ساكن" فيما ترتقي حافة البئر وكأنها توحي بان الماء سيتدفق على هذه الصحراء فهي بافقها الممتد سيدة العمل عبر المؤثرات المرافقة وانعكاس الضوء والعمق البارع الذي وظفه كادر العمل لخشبة المسرح، فيما اضافت الشاشة التي تعرض السيرة في افلام سينمائية، عمقا آخر للمسرح.
وترى مصممة الرقصات اليسار كركلا ان مسرحية "زايد والحلم" تجسد تاريخ الامارات عبر اللهجة وطبيعة الملابس والعادات والتقاليد.
وتقول: "حركة الرقص مثلاً كانت بحاجة لبحث دقيق لتكيفيها وتجسيدها على المسرح. وهنا أعتقد أنّ الكوريغرافيا ستكون مختلفة عمّا اعتاده الجمهور، الذي لن يرى مثلاً الدبكة اللبنانيّة، ولكن أسلوب كركلا ذاته مستوحىً من التراث الإماراتي".
وتؤشر مصممة الرقصات اليسار الى وجود الصقور في العمل والتي تأتي من صلب التراث الإماراتي وتعد موضع فخر في البيئة الاجتماعية للقبائل والشيوخ، "بدايةً اعتمدنا تصميماً لبعض اللوحات الراقصة يشار فيها إلى الصقور برموز، الامر الذي يسهل دور الراقص، ثم قرّرنا بعدها إدخال الصقور الحقيقيّة إلى المسرحيّة عبر الاتفاق مع فريق البحث الساند للعمل من هيئة أبوظبي للثقافة والتراث والنتيجة جاءت مذهلة، مع وجود نسر حقيقي على يد الراقص يزن ما بين الـ15 والـ25 كيلوغراماً".