أليس في بلاد العجائب والقراءة المؤجلة

2022-11-15

أصالة لمع

السؤال مطروحٌ دوماً والإجابات مفتوحة: كيف يقوم القارئ باختيار قراءاته؟ هناك الذين يختارون عنوان كتابهم القادم في قائمة يحددونها مسبقاً بحسب منهجية واضحة للقراءة، وهناك قرّاء أكثر عشوائية يجدون الكتب بين أيديهم بحسب التوقيت والمزاج والحالة النفسية. وفي أغلب الأحيان، نكون الاثنين معاً، فنضع قوائم طويلة، بعناية تامة، لكننا نتعجّب كيف أن قراءاتنا لا تتبع هذا الخط أبداً بل تتشعب وتتفرع وتمتزج بطريقة مذهلة! هناك مثلاً هذا العنوان الشهير الذي يحوم طيفه دائماً في ذهنك، لكنك تؤجل قراءته في كل مرّة لأن عناوين أخرى تزاحمه في الأولوية! حتى تأتي اللحظة، التي يزيح بها كل العناوين الأخرى ويختارك لتقرأه! هكذا، وجدتُ نفسي فجأة أقرأ رائعة لويس كارول: أليس في بلاد العجائب، بعد الكثير من التأجيل!

لماذا الآن؟ ربما لشعوري فجأة بالحاجة إلى الإنفصال عن هذا الواقع حيثُ يفترض أن نجد تفسيراً لكل شيء. الحاجة للحلم بعيون طفلة في العاشرة تشعر بالملل. الحاجة للنقاء والدهشة، فيما يبدو لي كأنّني أنظر للعالم من خلال زجاج ملطّخ بالبصمات والغبار.

وربما أيضاً، وإن كنا لا نعترف بهذا، فلأن كل شيء من حولنا يبدو عجائبياً ومجنوناً، حتى وإن لم نسقط في تلك البئر التي سقطت فيها أليس. في الواقع، نحن دائمي السقوط. ربما نحن لا نفعل شيئاً جدياً سوى السقوط. يصف لويس كارول سقطة أليس بطريقة مربكة:

«إما أنَّ البئر كانت شديدة العمق، أو أنَّ أليس كانت تسقط ببطءٍ شديد، فخلال سقوطها كان لديها مُتسع من الوقت لتنظر حولها ولتتساءل عما سيجري لاحقاً».

ألم يكن لدينا متسع من الوقت أيضاً؟ أليس لدينا دائماً ما يكفي من الوقت للتساؤل عما سيحدث، وللتصرف كأنه لا يهم أبداً أننا لا نعرف؟

ليست هذه الرواية فانتازيا كتلك المتعارف عليها.

وليست قطعاً القصة الأكثر ملائمة للأطفال. على الأقل سنقرأها بشكل مختلف كلما تقدّم بنا العبث في العالم. هناك شعور مستمر وأنت تقرأ بأنك داخل حلم مزعج، وبأنك ستستيقظ بعد قليل. وفي نفس الوقت تشعر أيضاً أن العالم المجنون هذا يبني نفسه جملة جملة داخل رأسك. وعليك أن تجد المعنى الذي يروقك. هكذا حين تقول أليس:

«عندما استيقظت في الصباح ، كنت أعرف على الأقل من أكون ، لكني أعتقد أنني تغيرت عدة مرات منذ ذلك الحين»

أصبح أنا من يتكلم.

وأكمل معها في مكان آخر:

«أفصحوا لي عمّن أكون، وإذا راق لي أن أكون ذلك الشخص، عندها سأصعد. وإلا، سوف أبقى هنا إلى أن أصير شخصًا آخر.»

أتذكر حواراً آخر هو ربما لديَّ من افضل الحوارات الروائية على الإطلاق، حين يقول ك. بطل رواية البيت الأخير* «أنا لا. لا أريد أن أصعد من الحفرة. الحفرة تعجبني.»

أنا الآن مثل أليس، ومثل ك.، لا أريد أن أصعد. اتركوني هنا. أريد أن أنسى أن كل شيء في العالم لا معنى له، وأن أبتكر بعض المعنى، كما تقول أليس بحكمة لا تناسب سنها كمعظم ما تتفوه به.

ثم يمر الوقت وأنت مع أليس في عمق هذا البئر، فتصبح الغرابة مألوفة. وهو أعذب شعور تعطيه هذه الرواية في رأيي. يقول لويس كارول «(…) مما جعل أليس تصل إلى نتيجة أنَّ المستحيلات قلائل، هذا إن كان هناك مستحيلات بالفعل»… الشعار يبدو رنّاناً كشعارات التنمية البشرية! لكن المقصد منه مختلف تماماً. لا نتكلم هنا عن تحدي المستحيل. بل نتكلم عن أننا نعيش في عالم مفتوح على الاحتمالات، حيث أي شيء يمكن أن يحدث (أو لا يحدث!). لا شيء يجب أن يثير الاستغراب أو الحزن أو الخيبة. أن نتوقع أي شيء، لأن كل شيء ممكن، هذه فلسفة، لنا نحن الذين كبرنا، ولم نتعلم أن نتوقف عن رفع سقف توقعاتنا من الأشياء!

ثم تسيطر عليك هذه الغرابة، وتفتن بها، وتصدقها، كما يحدث لأليس حين تأكل الحلوى ولا يتغير حجمها: «الدهشة اعترتْها عندما لاحظت أنه لم يطرأ تغيير على قامتها، وهذا ما يحدث عمومًا عندما تؤكَل الحلوى، لكن أليس اعتادت توقُّع الأمور الخارجة عن المألوف، وبات سير الحياة على نفس الوتيرة أمرًا مُضجرًا بلا روح.» اذاً أنت تتوقع كل شيء، إنما ما زلت تتوقع الكثير. تبحث عن الدهشة والافتتان بما يكسر الوتيرة، بما يغير الايقاع. هل من الضروري أن نسقط في حفرة أليس؟ ألا يبني كل منا عالماً عجائبياً، يغير فيه حجم قامته، وحجم قلبه، وحجم أحلامه باستمرار؟

تحافظ الرواية على هذه الوتيرة الفانتازية الفلسفية الساحرة. تخرج الحكم من فم أليس ومخلوقاتها الواحدة تلو الأخرى، والقارئ مسحور لأن الجميع يدون شعراء، أو مجانين، أو الاثنين معاً… لأن كل شيء عبثي إلى حد مريح. حتى أنك ستجد الأمر مناسباً ألا يكون هناك أي معنى في الفوضى التي تسببها هذه المخلوقات الغريبة، والتي تبدو أقل ابتذالاً من الفوضى التي نعيش فيها في عالمنا خارج البئر!

ثم، فجأة، يصل مشهد المحاكمة وتصرخ الملكة:

«لا، لا! العقوبة أولًا، ثمَّ يليها الحُكم.» تستهجن أليس بكل طاقتها، وتتوقف الفانتازيا هنا، لنا نحن الذين نعيش في الدول العربية. مشهد المحاكمة بدا لي فجأة مألوفاً جداً بشكل محبط، ودفعني إلى الاستيقاظ من الحلم واستعادة حجمي الطبيعي بلا أن أقضم الفطر من أي اتجاه. في الوقت الذي استيقظت فيه أليس من غفوتها في حضن أختها تحت الشجرة. ربما تعمد لويس كارول إنهاء هذا الحلم بمحاكاة مموهة لواقع إنساني مريع نسمع فيه كثيراً جملة مثل: «اقطعوا رأسه!».

وفيما أرجع الى عالمي بهدوء، تظهر ابتسامة القط شيشاير في الهواء، فأسأله كما فعلت أليس:

‏»-من فضلك، هلا قلتَ لي أيّ طريق أسلكُ للرّحيل عن هذا المكان؟

‏-ذلك يعتمد على المكان الذي تودينَ الذهاب إليه

‏-لا يهمّ المكان

‏-في هذه الحالة، لا يهم الطّريق».

في الحقيقة، لا شيء يهم. لأنه في النهاية، علينا دوماً أن نستيقظ.

اقتباس من رواية البيت الأخير، لربيع جابر

كاتبة لبنانية








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي