عزاءات ريلكه

2022-11-14

صبحي حديدي

خلال سنوات حياته، التي كانت متوسطة نسبياً، كان الشاعر النمساوي الألماني اللغة راينر ماريا ريلكه (1875ـ 1926) قد كتب نحو 14,000 رسالة شخصية، إلى كتّاب أصدقاء ومعارف ذوي جنسيات واهتمامات وأشغال شتى؛ يُحتسب في عدادهم صفوة من علية القوم ورجال/ نساء الأعمال والأشراف وأصحاب الألقاب. وقد أعرب عن فلسفة خاصة وراء تدوين هذا المقدار الوافر من الرسائل، إذْ اعتبر أنها ذات مغزى لا يقلّ عمّا تركه شعره ونثره؛ بل خصّ القرّاء الأقلّ اعتياداً على قصيدته، أو الأشدّ مشقة في قراءتها، بقسط تعويضي مثّلته تلك الرسائل، سيما حين تتناول مواضيع مثل الحبّ والفنّ والبؤس والفرح، ثمّ الموت على وجه التحديد.

وفي هذا الميدان، أي إطلالات الرسائل على قضية الموت، صدرت مؤخراً النسخة الفرنسية من سلسلة رسائل كتبها ريلكه على سبيل التعزية وتأمّل العلاقة بين الغياب والحضور، الفناء والبقاء، وضرورات التصالح مع فكرة الموت من زوايا لا تقتصر على العزاء والمواساة ولملمة الجراح وكفكفة الدموع. الكتاب حمل عنوان «حياته انضمت إلى حياتك»، المستلّ بتصرّف من رسالة كتبها ريلكه بتاريخ الأول من آب (أغسطس) 1913، إلى البارونة التشيكية سيدوني ناديرنا فون بوروتنغ، صديقة الكاتب النمساوي كارل كراوس وصاحبة صالون أدبي رعى الكثير من الكتّاب والفنانين؛ وفيها يطالب صديقته بأن تضمّ حياتها إلى حياة الفقيد، لأنّ الأخيرة لم تندثر بقدر ما التحقت بالأولى. النسخة الإنكليزية من رسائل مشابهة كانت قد صدرت سنة 2018 في لندن، بعنوان لعلّه أفضل إيحاءً بأجواء العزاء، سار هكذا: «الفاصل المعتم: رسائل إلى قلب في حداد».

في واحدة من الرسائل يكتب ريلكه: «الموت، خصوصاً ذاك الذي يمسّنا عن قرب، ونعيش تجربته، لم يكن قطّ عقبة أمام الحياة بالنسبة إلى أولئك الباقين، ذلك لأنّ جوهره بالذات ليس عدوّاً لنا (كما يمكن للبعض أن يعتقد)، بل بالعكس، لأنه يعلّمنا المزيد عن الحياة أكثر من برهات استقرار الحيوية في نفوسنا. وأعتقد حقاً أنّ هذا، وهو ثقيل بالغ الوطأة، يجبرنا بطريقة ما على الغرق في طبقة أعمق وأكثر حميمية». وفي أخرى يقول: «خلال السنوات الأخيرة توجّب عليّ أن أمرّ بمِحَن موت كثيرة، ولكن لا أحد من الذين انتُزعوا مني خلّفني من دون إحساس بأني الآن مكلّف بمهمة. ثقل هذا الحدث غير المفسَّر والهائل، الذي يُظنّ خطأ أنه عشوائي وقاسٍ، يدفعنا كي نتوغل (وأعتقد أكثر فأكثر) بنعومة وبعمق أشدّ في الحياة، عن طريق إجبارنا على تجنيد كلّ القوى التي تتنامى في داخلنا ببطء».

وهذه الرسائل نصوص ثمينة حقاً، ليس في مستوى ما تنقله من آراء مدهشة حول تخفيف مصاب الموت بوسيلة ترقيته إلى سلوك إنساني أكثر نبلاً وتسامياً، فحسب؛ بل كذلك، وربما أساساً، لأنها تزوّد الباحث في سيرة ريلكه بمادّة حاشدة الدلالات حول الشاعر الذي عُدّ «قتيل الوردة»؛ لأنه، خلال زيارة فريدة إلى قلعة دوينو قرب مدينة تريست في إيطاليا، جرحته أشواك وردته المفضّلة وأُصيب باللوكيميا. رالف فريدمان صاحب «حياة شاعر: راينر ماريا ريلكه»، الذي صدر في نيويورك سنة 1996، وقد يكون بين أفضل الأعمال التي حاولت تحقيق وظيفتَين شاقّتَين في آن معاً: كتابة سيرة الشاعر الحياتية، وكتابة سيرته الشعرية أيضاً؛ له آراء أخرى، صادمة غالباً. صحيح أنّ صاحب «مراثي دوينو» و»سونيتات أورفيوس» اعتُبر على الدوام قدّيس الفنّ الحديث، والرجل الذي أقام «وحيداً في عزلة الروح التامة»، وجعل من نفسه «قيثارة عوليسية حساسة لرياح الشعر المتقلبة»، كما تسير بعض توصيفاته؛ ولكنّ ريلكه كان أيضاً رجلاً فظاً غليظ القلب مع الآخرين ومع نفسه، وكان يتقرّب على نحو انتهازي مبتذل من الأغنياء الأرستقراطيين.

والوقائع/ المفارقات عديدة، يسردها فردمان تباعاً: هذا الشاعر الغائر العينين، المتآلف مع الملائكة وآلهة الإغريق والموت، لم يكن أنانياً متحذلقاً فحسب، بل كان جباناً، ومختلّ النفس، وبَكّاءً مغناجاً. كان ابناً رفض مجالسة أبيه الراقد على فراش الاحتضار، وزوجاً استغلّ زوجته ثم هجرها، وأباً بالكاد وقعت عيناه على ابنته، فضلاً عن أنه سرق بعض مدّخراتها المالية المخصصة للدراسة كي ينفقها على فنادقه الفارهة. كان زير نساء، وسمير عاهرات برتبة مثقف مدلّل، والصورة المضحكة عن الفنان الفاقد للروح والمؤمن بتفوّقه على البشر العاديين بسبب من حساسيته المفرطة، والذي يرى نفسه «برعماً رقيقاً تخدشه نسمة عابرة أو لفحة صقيع مباغتة».

حصيلة كهذه قد لا تدفع القارئ إلى التعاطف الأقصى مع ريلكه الآدمي، ولكنها كفيلة بتحريض القارئ إياه على النظر في الشروط الاستثنائية القاسية المضطربة التي شهدها، وأسهمت في تعزيز معاناة إنسانية قصوى، أسفرت عن تفجير تجربة شعرية فريدة، تظلّ واحدة من كبريات التجارب الشعرية في القرن العشرين بأسره. «متوّجٌ بالأحلام» كما يقول عنوان إحدى مجموعاته، ولعلّ أبلغ اختصار لموهبته ما قاله الروائي النمساوي روبرت موزيل: «المرء يشعر أحياناً أن ريلكه الشاب لم يكن يحاكي أحداً سوى ريلكه، أعظم شاعر غنائي عرفته اللغة الألمانية منذ العصور الوسطى».

وتلك، بدورها، نقائض حياة حافلة صاخبة، طفحت فيها الملابسات و… العزاءات!








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي