الجذع الذي كان يفضَح الشجرة

2022-11-09

أحمد الملّاح

تين

أسوأ ما في الأمر، كان اكتشاف شجرات التين في المدينة - تلك التي تموت أوراقُها وتيبسُ أولَ ما يلمسُها البرد. أمرُّ قرب واحدة دلّني عليها أحدُهم. شجرةٌ بلا جذع، كلُّها أغصان عارية. وفي الصيف كذلك، لا تكونُ شجرةً، بل أجَمة، وكأنّ ثقلاً ما في الهواء يدفعُها إلى الأسفل، يمنعُها من أن تمتدَّ وتسموَ كما يفعل التين، ذاك القابع في البال. لم أتجرَّأ على تذوّق ثمراتِها قطُّ. أكثر من مرّة، قطفتُها وراقبتُ الحليب ينزُّ لزِجاً من عروقها. وحين لمستُه لم يكن كثيفاً، كما توقعت. وكان هذا كل ما في الأمر، صورةً نحفظها في البال. في الخريف يبقى الجذع عارياً، الجذع الذي كان مرّة يحمل ما يفضَح الشجرة: أعجوبة أوراقها.

نعم: العالم القديم والقارّة الأميركية يبتعدان بعضهما عن بعض بمعدَّل سنتيمترين كلّ سنة. نعم، الوطن يتحرّك من حيث تركتُه، وأنا، على الرغم من خيط الحنين الذي أمسكُ به، أستبقُ نفسي.

ليس هناك إلّا الذكريات: وها أنتَ ترفعُ كلَّ لحظةٍ أمام المرآة، تنتبهُ وتتشتّتُ - وحين تضيع تماماً -، تصير هواءً راكداً في إناء.

■ ■ ■

بيت لحم، وقتذاك

يسوع نبيٌّ أو إله

لأنه في الورشة

كان يَصنَع، كما صنع النجَّارونَ وقتذاك،

كراسيَ وطاولاتٍ.

من الخشب تأتي الكلمة،

والمرء ينزعُ إلى التخفّي وراء فِعلٍ ما،

فلا يكون نبياً أو إلهاً

بلا غطاء،

بلا شيءٍ يشغله ريثما

تَشيع الكَلمة،

كما يُقال.

وبما أنّ المعادن لم تكن ليعبث بها العَوَام،

كان لا بدَّ من خَشب،

ذاكَ اليباسُ القابل للاشتعال،

الدافعُ الملأَ والحيوانَ والملاك

ليحيدُوا عن الطريق،

ويهيمُوا

باتِّجاه الضَّوء.

■ ■ ■

خشب

للاكتشاف هندسةٌ غريبة

فهو فنّ فريد وقد يكون أصلَ كلّ كارثة.

ما الذي كُنَّا نتوقَّع أن نجدَه في ذاك المدى الوعر؟

صبيةً كُنّا نحفر الأرض بكلّ حاد نعثر عليه.

نجمعُ الخشب

ونتصيَّد وضوحاً ما، في ورش العَمار، في ما لم يتشكّل بعد.

ما الذي كُنَّا نتوقّعُ أن نبنيَه

ونأملُ اكتشافَه؟

وما هذا الذي أفعلُه الآن؟

أأقتربُ من استعادةٍ ما، مِن ذكرى ستحدِّدُني

أم أني أقوّض

 كلَّ ما في البال؟

بطاقة

شاعر فلسطيني يكتب بالإنكليزية، صدرت مجموعته الشعرية "إنكليزية مُرّة" Bitter English عن "منشورات جامعة شيكاغو" عام 2019. يحمل شهادة الدكتوراه في الأدب العربي من "جامعة إنديانا"، والماجستير في الشعر من "هنتر كوليج". يعيش في فيلادلفيا ويدرّس الكتابة الإبداعية في "جامعة بنسلفانيا".

ترجمة عن الإنكليزية: هدى فخر الدين، والقصائد من مجموعة شعرية بعنوان "حكمة الحدود" The Border Wisdom لم تُنشر بعد.








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي