شذرات الخريف النعسان

2022-11-02

عاشور الطويبي

أنَ تغشى السماءَ الظلالُ، تَضعينَ رأسك، على غيمةٍ خائفة،

وتنقّط الريحُ، الحبر الأسود على أجنحةِ الطيور.

لصّ الحانة، صار يداً، تدفع خيل الملك، إلى الساحة الكبرى،

صار كلّ شيء، يفوح بالخيانة، خَبَبٌ، خَبَبٌ، خَبَبٌ!

نغَمٌ في مقام البياتي، نغَمٌ في مقام الصبا،

درَجٌ تصعد عليه خيبات المرأة العارية، نغَم في مقام المحيّر.

تُمطر السماءُ قبّعات جنرالات ميّتين،

تُمطر السماءُ نجوماً وأوسمة وأشلاء. ظهيرة ساخنة تحت النشيد المَلكي!

على كرسي خشبي، قريباً من شجرة الكستناء، يرفرف وشاحُ امرأةٍ عاشقة.

هل كان على قطعة الشوكولاتة، أن تذوب في كفّ طفلة، في طريقها إلى الحقل؟!

ما أكثر، أحذية الجنود في ساحة المدينة

ما أكثر، عُلب السردين في علّية الشاعر الحزين!

الوادي المجنون، جفّ، المرأة ذات الفستان الأحمر، لم تأتِ،

وحيداً في سيارة ليكزس، يبتسم، رئيس الوزراء ويلوّح بيده.

كلّ البحار، التي مرّ بها البحّار المفلوج، تركها في قنينة فودكا،

الأغاني التي كان يعزفها، نسيَها في مرفأٍ اسمُه يحمل الكثير من الكلمات.

العَلَم في آخر القارب، بلّلته دموع القتلى،

كانت عيون السمك كبيرة، والحجارة على الشطّ ملساء.

لولا لمعةُ الضوء في العينين، ما تعرّف على القتيل.

لولا الوشمُ البارز في ظاهر اليد، ما ركب القطار آخر الليل.

كأنه لم يرَ الوجه، في صدر البطاقة البريدية، التي وصلت إليه،

كان يُحصي عددَ الطيور المُختفية، بين أوراق شجرة الخرُّوب.

الهمسات الحميمة، اتَّكأت على ظهر الكرسي،

خريفٌ كئيبٌ آخر، سُحُبٌ قصيرةُ الذيول ترحل سريعاً.

لم تعد تتعثّرُ الأقدام، عند مدخل المول،

لم يغادر رجل المرور، ظلّ صورة السياسي، الذي يرفع يده الطويلة.

لا ترمِ أشجانك في أحضان ساقية الحانة. لقد جاء صاحب البريد

وحرّاس الفجر يجمعون صهيل الخيل، من حقائب العائدين من الحرب.

الأحبار في آخر الركن، الشمعتان قبالة المرآة، الخبز المُحمَّص فوق الطاولة.

سيجلس هناك على الأريكة الزرقاء، ستجلس هناك على الكرسي الوحيد.

رأيتها مرَّتين! الأولى، في سيرك في طفولة بعيدة،

الثانية، تحمل فوق كتفها سلّة مليئة بالخبز والزيتون، عندها، تيقنتُ أنها ماتت.

في الجبل، الدرب أبيض، الحِجارة خضراء، الأنفاس خرساء.

قرب النافذة الغربيّة، تماماً، فوق المزهرية بعروقها الصفراء، تتلامسُ، فراشتان.

أكُلُّ هذه، قمصان على جسَد الملك؟

أكُلُّ هذه، الكائنات تنام وتصحو على مائدة الملك؟!

قد تكون الأقصرَ بين الخِصيان، لكنّ مشيتَك الأسرع.

ثوبُك الأبيض، ذيلُه تسحبه وراءك كما يسحب النهرُ الطائر الولهان بلا جلبة.

هل تذكرُ، كيف رقصنا حول الماء الرقراق؟

كانت عيدانُ القصَبِ الطويلة تُخفي عوراتِنا، متقرفِصين في انعطافة الوادي.

طارَ اللقلق من منديل العروس، حلّقَ بعيداً في السماء.

الذين وقفوا هناك، رأوا، كيف اشتعلتِ الشهوات في المرآة وفي الجسد، الريّان.

السفينة استوت على زعنفة، الأجساد، ابتلعتها السلطعونات الجائعة.

سهم الصيّاد انغرز عميقاً في قلب الحوت، انغرز عميقاً في قلب الشمس.

الغُزاة الذين أتَوا قبل الفجر، أخذُوا المَلك، أخذوا الملكة، وأخذوا صينية الرمّان الأحمر،

أخذوا أجرَانَ القمح وأجرَانَ الذُّرة، ثم علّقوا عيون السمك الملكي على حائط المبغى.

كان، على الشاعر أن يترك باب القفص مفتوحاً، حتى يسيلَ الحِبر

وتعلو أصواتُ السكارى بالغناء الشهواني، الشجي.

ماذا في الجراب وماذا في السماء، يا رجل؟

ماء، رغيف خبز، عود أراك، وقطيفة فتاة تركتني، في أوَّل الرحلة.

لكِ أن تهبّي ما شئت يا ريح، ليس لي إلّا صندل قشٍّ

وفرشاة من سبيب خيل، أرسم بها وجوهاً وحيوانات تضحك.

الخيبات أيضا تتمدّد على تجاعيد الكرسي، ترتشف ذكرياته عن العبيد

الذين رحلو مُقيَّدين، وعن الصبايا التائهات في الأحلام الصغيرة.

المغنّي الجوّال مُستلقٍ، ليس بعيداً عن شجرة التوت، يُنصت إلى قلبه، يحدّثه

عن البحيرة ذات الحواف الصفراء، وعن حبيبته ذات القِرط الذي يلمع في السماء.

ستبقى وردتها مُعلّقةً قريباً من القلب، لقد امتلأتِ العينان بالحيرة والأسى،

طائر أحمرْ- صِدير، صار يخلف مواعيده، وشجرة الخرّوب لم تعد تطرح قرونها الطويلة.

شاعر من ليبيا








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي