هذا فلسطيني

2022-10-29

فيكتوريا بريتن | ترجمة: مروه كوتشاك

اغتيل وائل عادل زعيتر، عاشق شعر دانتي، وموسيقي مالر، والأوبرا، والمعارض الفنية والحفلات، خارج منزله في روما في السادس عشر من أكتوبر/تشرين الأول عام 1972 من قبل الموساد. كان وائل ممثلا لحركة فتح والأول من بين عشرة فلسطينيين (بالإضافة إلى أحمد بوشيقي، نادل مغربي في ليلهامر في النرويج) ممن اغتيلوا في عملية الموساد «غضب الله» بعد مقتل 11 رياضيا إسرائيليا في أولمبياد ميونيخ على يد منظمة أيلول الأسود. جاء صديق وائل، محمود الهمشري، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في باريس، إلى روما لحضور جنازته وقال لأصدقاء وائل: «سأكون التالي». وبالفعل تم اغتياله في باريس بعد شهر.

تم إحياء ذكرى وائل في مسرحية رائعة شارك في كتابتها وأدائها الفلسطيني البريطاني بلال حسنة. وسينتقل العرض النافذة تذاكره في لندن إلى مسرح مدينة بيرستول «اولد فيك ستوديو» من 13- 15 أكتوبر. وبالتأكيد سيتم حجزه للعرض في العديد من المسارح لاحقا. يلعب بلال دوره أولا كطالب فلسطيني متحمس يبلغ من العمر 19 عاما، لا يتحدث اللغة العربية في لندن. تتم دعوة بلال لحضور عرس ابن عمه الذي لا يكاد يعرفه، في القدس بعد خمسة شهور. فيبدأ بلال في البحث والدراسة عن فلسطين في ويكيبيديا ويوتيوب. مخاطبا نفسه: «هل تعلم، سأصبح خبيرا، سأعيد التواصل مع جذوري التاريخية». قرأ بلال عن وائل في كتاب بالصدفة فاستحوذ على مخيلته، على الرغم من شعوره بخيبة الأمل لأن والده، الذي يعتبره مرجعه لكل ما هو فلسطيني، لم يسمع عن زعيتر من قبل. «بدأت في العثور على أوجه الشبه بيننا، مثل إننا فلسطينيان نعيش في الغرب. ووائل عنده أخت مثلي، أو أن وائل كان يؤلف أول ترجمة إيطالية لألف ليلة وليلة وكنت قد قرأتها». ثم يظهر بلال على خشبة المسرح كوائل في الستينيات في روما. كان في أوائل الثلاثينيات من عمره.. مهذبا ولطيفا، عاشقا لعالم جديد يقطنه فيليني، وبافاروتي، وبوتشيني، وصوفيا لورين، ويشرب قهوة الإسبرسو ونبيذ روما الأحمر. لا نرى على المسرح سوى أكوام وخيوط متدلية من شرائح برتقال مجففة، ووائل، في معرض فني مزدحم يتحدث عن يافا والبرتقال وعن نشأته إلى جانب البحر لرسامة لا يستطيع ان يرى منها، من خلف لوحه معلقة من السقف غير قدميها بالصندل وحافة فستانها الأصفر. تقول إنها نشأت أيضا بالقرب من البحر – «زرقاء، سيدني». قال إنهم ملزمون بالعثور على بعضهم بعضا، «أهل البحر» قبل أن تختفي وسط الجموع، تاركة وائل يفكر في صندلها لمدة أسبوع.

ثم ها هو بلال يظهر كماريوتشيا، صاحبة منزل وائل، «79 عاما وتحمل كل واحدة من تلك السنوات على عاتقها. تبدو جميلة كما تجعلك الحياة فقط «. تقوم ماريوتشيا بإعداد عشاء أسبوعي فخم لمجموعتها العشوائية من النزلاء وأصدقائهم. بلال يمثل أيضا شخصية الأرستقراطي الإنكليزي المزعج كوري، وسلفاتور العلماني من سردينيا، ثم يظهر وائل مرة أخرى، وهو يحمر خجلا في شخصية جانيت، الفنانة من سيدني التي تظهر لتناول العشاء. من بين الحديث المرتبك عن استقلال الجزائر وفلسطين والمعارض الفنية وغيرها، ماريوتشيا العجوز تتحدث عن الحب، وبلال كوائل وهو يرقص مع جانيت. تمتلأ خمس سنوات من حياة وائل في روما بترجماته، لوحة جانيت، كيانتي، إسبرسو، والكثير من الرقص. كان من بين أصدقاء وائل جان جينيه وألبرتو مورافيا وبيير باولو بازوليني.

يحتوي معرض جاسر، من بين أشياء أخرى كثيرة، على مقابلات بالفيديو مع أصدقاء وائل، وصور قديمة، وصفحات من شعر دانتي (الكوميديا الإلهية) التي حملها (حيث كان الكتاب بأكمله ضخما جدا) ونسخة عربية قديمة رائعة من ألف ليله وليلة من جيب سترته، مثقوبة بواحدة من 13 رصاصة أصابت رأسه وصدره، وسلسلة من أكثر من 20 صورة لكل صفحة مزدوجة مرت الرصاصة قبل أن تستقر في ظهر الكتاب.

أثناء مرور وائل كنادل بجانب دافيد نيفين، يتم تشغيل صدى صوت من فيلم بيتر سيليرز «النمر الوردي» لعام 1963، للتعبير عن هذه الحقبة من الزمن. لكن في الخامس من يونيو/حزيران عامل 1967 عندما هاجمت إسرائيل مصر وسوريا والأردن، انطلق وائل في الساعة الثالثة صباحا في سيارة فيات 125 مع صديق فلسطيني ليقود عبر خمس دول وقارتين لمحاربة 200 ألف جندي إسرائيلي – وهو ما يثير شك جانيت وهي تؤكد انه لا يمكنه حتى قتل النمل في المطبخ. في بيروت، وبعد أن قطع مسافة 3167 كيلومترا في خمسة أيام، وجد السيارات متوقفة وكل من في الشارع يتعانق لأن الحرب انتهت. «كلهم يقولون الشيء نفسه. خلاص، خلاص. انتهت».

تحتل إسرائيل الآن سيناء وغزة ومرتفعات الجولان والضفة الغربية لنهر الأردن. ويعود وائل مباشرة إلى روما، ويبدأ العمل الذي سيؤدي إلى وفاته. «أنا أساعد فلسطين بالطريقة الوحيدة التي أعرفها: التحدث إلى الناس.. طلاب الجامعات، سائقي سيارات الأجرة، النُدل في المقاهي. نبدأ في عقد الاجتماعات في شقة ماريوتشيا كل يوم خميس» ثم يصبح بلال ماريوتشيا المبتسمة، «هنا؟ في غرفة الجلوس؟ حسنا يجب أن نساعدك في التحضير، أليس كذلك؟ هيا بنا!». ثم يظهر وائل مرة أخرى كرجل طرأ عليه التغيير: «أُعلّم الناس الذين يأتون عن نكبة 1948 ونكبة 1967 وكل ما حدث بينهما. أريهم صورا لمنزلي الذي لم يعد بيتي. صور اللاجئين وعائلتي». بدأ التضامن الإيطالي مع فلسطين منذ ذلك الوقت وظل ساريا إلى الآن. تم اغتيال مثقف فلسطيني آخر، وهو غسان كنفاني، قُتل في العام نفسه في انفجار سيارة مفخخة للموساد في بيروت مع ابنة أخته لميس نجم. لكنه يعيش اليوم من خلال كتبه التي قرأها كل فلسطيني، ومسرحياته المنتجة في جميع أنحاء العالم، وصوره المرسومة على جدران شوارع بيروت. رسمت الفنانة الفلسطينية سامية الحلبي صورة عملاقة لا تُنسى له – وجه شاب سمح وهادئ محاط ببحر من زهور الخشخاش ووجوه ملفوفة بالكوفية ذات اللونين الأبيض والأسود.

قبل كتابة هذه القصة الخيالية لحياة وائل من قبل بلال وآرون كيليرجي أوغلو، اشتهرت وفاته بالعمل الفني القوي متعدد الوسائط للفنانة الفلسطينية إيميلي جاسر، المعنون «مادة لفيلم» الذي توسع منذ عام 2004. وقد فاز بالجائزة الذهبية في معرض بينالي البندقية عام 2007، وفي متحف غوغنهايم في نيويورك عام 2009، ومعرض وايت تشابل في لندن عام 2015، وبينالي سيدني عام 2006.

يحتوي معرض جاسر، من بين أشياء أخرى كثيرة، على مقابلات بالفيديو مع أصدقاء وائل، وصور قديمة، وصفحات من شعر دانتي (الكوميديا الإلهية) التي حملها (حيث كان الكتاب بأكمله ضخما جدا) ونسخة عربية قديمة رائعة من ألف ليله وليلة من جيب سترته، مثقوبة بواحدة من 13 رصاصة أصابت رأسه وصدره، وسلسلة من أكثر من 20 صورة لكل صفحة مزدوجة مرت الرصاصة قبل أن تستقر في ظهر الكتاب. «لا تُنسى» عبارة عن هيكل مكون من 1000 كتاب أبيض فارغ، أطلقت الفنانة النار عليه (بعد التدريب في أستراليا) بمسدس من عيار 22، مثل الذي استخدمه القتلة. تضيف إيميلي جاسر شهادة من صديق وائل الموسيقي الإيطالي المميز برونو كاجلي (1937-2018) حيث قال لها في عام 2005: «لم أستطع أن أصدق أنه يمكن استهداف شخص كرّس حياته كلها للمصالحة الفكرية والثقافية والأخلاقية بين الشعوب. لم أستطع أن أصدق أنه من الممكن أن ترسل دولة أجنبية قتلة إلى بلد مثل إيطاليا وإلى مدينة مثل روما وأن إيطاليا لم توفر له الحماية». وقد سلطت الضوء أيضا على اقتباس استخدمه وائل لإنهاء مقال لصحيفة «لاسبرسو» قبل وقت قصير من وفاته، من الصوفي الإنكليزي فرانسيس تومسون (1859-1907): «إنك لا تستطيع تحريك زهرة دون إزعاج نجم».

اعترف أحد مسؤولي الموساد في مقابلة أجريت معه بعد أربعة عقود، بأن اغتيال وائل كان «خطأ فادحا» بينما اعترف آخر: «زعيتر لا علاقة له بقتل الرياضيين» وفقا لكتاب رونان بيرغمان لعام 2018 «انهض واقتل أولا».

لقد عبر بلال حسنة نصف قرن لإنشاء نصب تذكاري لا يُنسى للحياة الفلسطينية.

*فيكتوريا بريتن صحافية ومؤلفة بريطانية عاشت وعملت لسنوات عديدة في افريقيا والولايات المتحدة وآسيا، بما في ذلك 20 عاما من العمل كمحررة للشؤون الدولية في صحيفة «الغارديان».









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي