عُمرٌ معه

2022-09-21

وصال مطر

انتهت رحلتك أيّها الأسعد مادّياً قبل عام، ولكنّها لم تنته فكرياً، لذا ستظلُّ موجوداً مع مَن أحبُّوك وأحبّوا فكرك. وستظلّ كتاباتك الرفيعة واشتغالاتُك علامةً فارقة، في مشهد الأدب الفلسطيني والعربي، أيّها الكاتب والشاعر والمفكّر، ويا رفيق العُمر الفريد المتميّز.

رحلتَ شابّاً صاحبَ نفسية جميلة وبريئة كالأطفال، نقياً كُنتَ وصاحب قلب كبير، وحبيباً صادقاً صدوقاً لم تتزحزح عن قول الحقّ. عشتَ كاتباً نزيهاً قضيّتك وعائلتك هما أولويات حياتك، ومكافحاً طيلة مسيرتك من أجلهما، فلسطين البلد والتاريخ والقضية همُّك الأوّل، ووطنُك حيث الإبداع والحرّية والفكر اليَقِظ.

قضى الأسعد حياته جادّاً متحمّلاً لمسؤوليّاته، وظلّ اهتمامُه منصبّاً على تطوير ذاته، وخصوصاً في متابعة كتاباته وتطويرها دون كللٍ ولا ملل، يتابع تطوير ذاته الكتابية الإبداعية  في الشعر والرواية، والبحث والفكر. هكذا كان منذ التقيتُه أوّل مرّة في الكويت، وهو في الرابعة والثلاثين من عمره.

ورغم حمولة الحزن التي تشفّ عنها كتاباتُه، إلّا أنّه كان إنساناً متفائلِاً مبتسماً لم تفارقه الضحكة قط. أمّا طاقته الإيجابية، فتسَعُ الكون كلّه تجدّداً وديمومة. وبطبيعة الحال، لم يكن همّ فلسطين هو ما يكسر قلبه فحسب، فعروبته جعلت فؤاده ينكسر على ما حلّ بنا من نكباتٍ واحتلالاتٍ. كان يكفي أن يرى صورة لطفل من أطفال المخيمات حتى يكفكف دمعه، وكأنّما طيف "أم الزينات" الحزينة، التي هُجّر أهلها بفعل الإجرام الصهيوني عام 1948، عاد ليستحضره، وانتقل بفعل المأساة وذكراها من "أطفال الندى" إلى واقع راهن ما زالَ مليئاً بالإجرام والنكبات.

فلسطين البلد والتاريخ والقضية همُّك الأوّل، ووطنُك حيث الإبداع والحرّية والفكر اليَقِظ

ورغم بساطته، وهو الذي أطرى الشعرية النادرة والبساطة الجميلة، إلّا أنّه لم يفرّط بواحدة من ميزاته: ألا وهي النقد اللاذع؛ حتى مع نفسه. بل إذا أردتَ أن تعرف كيف تطوّرت كتاباتُه، عليكَ أن تعرف تماماً كيف كان يتعاطى نقديّاً مع ذاته. وحيثُ التميّز وُجد كنتَ تجد الأسعد محاوراً عنيداً موسوعيّاً بثقافته وإحاطته المعرفية.

رحمه الله رحمةً كبيرة تليق به وبقُدرة الله... فالنظرة التي جمعتني وإيّاه في الكويت امتدّت لتصبحَ 42 عاماً، ملؤها الرفقُ في التعامُل مع أمّه، ومعي ومع ابنينا غسان وأناهيد، عائلتنا وحياتنا البيتية كانت الترجمة الأُولى لمبادئه وثقافته.

يا رفيق دربي كنتَ إنساناً جميلاً وكبيراً، وما زلتَ وحدك عالمي كلَّه الذي أشتاقُ إليه. تحيّاتي الحارّة لك من الدنيا، "تحياتي" هذه الكلمة الراقية التي كنت تبدأ بها كلامك وعوّدتنا على سماعها، وهي تخصّك أنتَ وحدك. وإلى أن نلتقي سأبقى أشتاق إليك كلّك.

أخيراً، هل أنسَبُ مِن أن أختم كلمتي هذه إلّا بشيء من شعرِك؟ "غريبٌ أن لا نسكن الأرض طويلاً"، كذلك كتبتَ، وهذا ما أؤكّده وأكرّره. غريبٌ حقّاً أن لا تسكنوا الأرض طويلاً أنتم أيّها المتميّزون.








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي