واحد ـ صفر يفضح تردي الحياة في مصر

خدمة شبكة الأمة يرس الإخبارية
2010-07-06
لا فرق في مصر اليوم بين مهموم بالفقر أو مستلب بالدين والعادات أو مقهور بالسلطة، فالكل على حافة الانهيار.

محمد الحمامصي

يقدم فيلم "واحد صفر" لوحة متكاملة لمشهد الحياة الاجتماعية في مصر، وما ترزح تحت وطأته من هموم ومشكلات، رسمتها ببراعة فائقة مخرجته كاملة أبو ذكري وكاتبته مريم نعوم، دون لف ودوران دخلا إلى صلب المشهد.

مقدمة الفيلم اسكتش حملت النماذج التي تم الاشتغال عليها ألوانا وظلالا وأبعادا ومرجعية اجتماعية، الزمن يبدأ صباحا حيث تجري في المساء مباراة كرة لقدم بين مصر والكاميرون في بطولة أفريقيا، المكان شارع يعج بالأعلام المصرية، تتنقل فيه الكاميرا، لنتعرف على الأتوبيس الممتلئ عن آخره حتى لتبدو الناس داخله ككتلة واحدة من اللحم لا فرق بين رجل وامرأة وطفل وعجوز، السايس العجوز الذي يطارد أصحاب السيارات الفارهة من الشباب، والذي لا يخلو من خفة ظل، يعمل ليسكر ويتعاطى المخدرات، وحفيده علي الذي لا يتجاوز عمره 14 سنة ويعمل مناديا على إحدى السيارات الميكروباس، وعامل الكوافير الطموح الذي يسرق بعض مواد التجميل من محل الكوافير الذي يعمل فيه، وأمه التي تعمل "حفافة" وتخدع زبائنها بكريم يشوه البشرة، والممرضة المحجبة التي تقرأ في المصحف الشريف في الشارع، بينما تدور على البيوت لتعطي الحقن، والسيدة المسيحية الثرية التي تعيش في فيلا وتحلم بالحمل وبالفعل تكتشف حملها على الرغم من انفصالها عن زوجها، وعشيقها المذيع الذي لا يتوقف عن معاقرة الخمر، ويبدو في عمق حركته وسلوكه أنه يعاني من أفكار تنغص عليه حياته، والمطربة رديئة الصوت والثقافة الموسيقية ولا تحمل أية موهبة لكنها ترى نفسها مشهورة.

الجميع يشكلون بطولة الفيلم، وهم في السياق مقهورون، الثري المنعم منهم والفقير الذي يسعى لقوت يومه،

لذا ما أن يتجاوز الفيلم مقدمته حتى تتجلى القضايا فاضحة لعمق الانهيار والتردي الذي يسيطر على الحياة الاجتماعية المصرية.

أول تلك القضايا قدمتها بأداء بارع الفنانة إلهام شاهين في دور نيفين السيدة المسيحية التي تعاني من رفض الكنيسة إعطائها تصريح بالزواج، وطول أمد الحل القانوني "أكون عجزت وموت وادفنت كمان"، قضت مع زوجها 6 سنوات تمثل لها جحيما، تلتها 3 سنوات "معلقة" أي لا هي مطلقة ولا هي متزوجة، و5 سنوات بانتظار الطلاق، و"لسه سنين قدامي عشاق أقدر اتجوز".

إن تجليات هذه القضية يشكلها حوار نيفين مع محاميها، وهو حوار خطر يحمل إدانة صريحة للتعنت الكنسي، ويطرح حلا لا تقبله نفين لكن المحامي يواجهها به "الإسلام"، يبدأ الحوار بـ "عاوزه أتجوز"، ويتصاعد مع احتداد نفين في مواجهة عدم وجود حل، ويرى المحامي أن الظلم الذي يقع على نفين لمصلحتها، حيث سيتيح لها رفع قضية أخرى، وتصعق حين يقول المحامي "نحن سنرفع قضية على الكنيسة"، ويرى أن ذلك من حقها طالما رفضت الكنيسة إعطائها تصريح زواج، تقول "الكنيسة، أرفع قضية على الكنيسة عشان أتزوج"، ويؤكد أن هذا هو الحل ولا حل بديل إلا الإسلام.

تصدم نيفين حين يعرض المحامي حل الإسلام، وتقول من بين دموعها "أسلم، لا لا خالص، لا، مش عاوزه أغير ديني"، ويرد المحامي أن هذه هو الحل الثاني إذا كانت ترغب في الزواج،" وإذا كان الذي أريد زواجه مسيحي، هل أقول له أن يسلم لكي نتزوج"، وتضيف "يعني عشان واحدة فشلت في زواجها، إما تغير دينها، يا إما تروح تزني".

هذه القضية التي أثيرت مؤخرا حين رفضت الكنيسة حكم المحكمة الإدارية العليا السماح بالزواج الثاني، وتأكيد الحكم بعدم قبول الطعن المقدم من البابا شنودة بصفته رئيس الكنيسة الأرثوذكسية، يكشف الفيلم عنها ما تمثله من مأساة حقيقية تعيشها المرأة بوجه خاص.

القضية الثانية تتمثل في الفقر وتأثيراته التي تدفع أكثر أبطال الفيلم إلى التخلي عن مبادئهم وقيمهم، فالمطربة نينا من أسرة فقيرة ترفض العيش مع أمها وشقيقتها في ذلك الحي الشعبي، وتعرف أن المخرج يستغلها جنسيا دون مقابل حقيقي، ومع ذلك ترضخ تحت وطأة الحاجة وإعالتها لأمها وأختها، بل إنها تتخلى عن حبها وتقبل الاستمرار فيما هي فيه.

حتى السايس العجوز يبدو غير راض عما آل إليه، ويبصق على أصحاب السيارات الفارهة، حفيده يسرقه، وهذا الحفيد الذي يكشف عن مهارة فائقة في الخداع من أجل السرقة، فحين يصل إليه جده في المستشفى بعد أن يصدمه المذيع بسيارته، يتفق مع جده على حيلة يجنيان بها ما يستطيعان من مال من المذيع.

وعلى طول الفيلم تتكشف مداخل التردي الاجتماعي، سواء في الذوق الذي يستقبل الصوت الرديء ويهلل له، أو الاستغلال الجنسي تحت ضغط الحاجة فالمخرج الذي تعمل معه المطربة يستغلها جنسيا مقابل أن تشغيلها، أو الغش والسرقة فـ "الحفافة" التي تعول ابنها عامل الكوافير وابنها نفسه يمارسان السرق والخداع.

ويعطى الفيلم رؤية ليست ببعيدة عن الشرطة المصرية في صورتها التي خرجت مؤخرا ممثلة في قضية الشاب السكندري خالد سعيد الذي ضرب حتى الموت دون وزر جناه، فـ "أمين الشرطة" الذي يحرس الأمن في الشارع، عندما يرى الممرضة المحجبة تقف بانتظار أحدهم يحاول أن يتحرش بها (وباللغة المصرية للشباب يصطادها) فتنهره، وعندما تحين الفرصة له للقبض عليها يقبض عليها بينما تجلس مع عامل مطعم الفلافل في أول محاولة لها لوجود طريق للحب، ويحملها والشاب إلى قسم الشرطة حيث يجلس ضابط القسم ووراءه صف من العساكر يتفرج على مباراة مصر والكاميرون، يجلس غير مبال بما يجري حوله.

لقد استطاع السيناريو والحوار جنبا إلى جنب مع براعة الكاميرا تقديم صورة حقيقية عما وصلت إليه مصر، قدماها برؤية جمالية، تحمل قدرا عاليا من المتعة والإثارة والأداء الجماعي المتميز الراقي.

تنقلات الكاميرا بين طوابير الخبز والقتال بين الأهالي على الحصول عليه، وزحام الأتوبيس الخانق، وضرب الناس لبعضهم البعض في الشارع، وبين المطربة الراقصة بملابسها وحركاتها المثيرة التي تجهز أغنية لمصر تذاع حال فوزها في المباراة، والمخرج الذي يطالبها بمزيد من الإثارة، الأغنية التي تتناقض كلماتها مع ما يجري فحين تقول "بنحب بعضنا" تنتقل الكاميرا من هز وسطها وجسدها المثير إلى شجار بين عامل الكوافير وزملائه بعد طرده، وإلى الحواري الفقيرة، إلى أبطال الفيلم المحبطين والمنكسرين، وهكذا على مدار الفيلم وليس بجزء محدد منه تلعب الكاميرا دورا أساسيا في فضح تناقضات المشهد العام في مصر.

جميع الممثلين في الفيلم في رأيي أبطال، كل منهم يمثل نموذجا مستقلا في رؤيته وحركته لكن دون أن يخرج عن إطار اللوحة، فقد نجحت المخرجة كاملة أبو ذكري في أن تقسم رؤيتها بشكل متكامل عليهم، فأبدعوا إلهام شاهين وخالد أبو النجا ونيللي كريم، وانتصار، وزينة، وأحمد الفيشاوي، ولطفي لبيب، وحسين إمام، والطفل كامل أشرف.

ينتهي الفيلم بفوز مصر في مباراتها وذوبانها في الشارع فرحة بالفوز، يذوب كل هذا الدمار والتناقض النفسي والاجتماعي والأخلاقي الذي يعيشه أهلها ربما من حبها والفرح لها، وربما من فرط ما وصل إليه من انهيار.
 












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي