على مسارح الذاكرة

2022-09-14

نازك بدير

لا أذكر لون البحر في تلك الّليلة، ولا لون السماء. ما يحزّ في ذاكرتي، ويقلّص الدوائر من حولي، هي الأصوات التي احتجزتني، ولا تزال طبولها تصدح في النقطة الأبعد من رأسي، حيث أحاول مرّات ومرّات أن أختلي مع نفسي. وفي كلّ اختبار، تنقضّ المحمولات التي أعمل على عقلنتها، وتجاوزها. لكن، حتى هذه اللحظة، من دون جدوى. هل يكون السبب عقم الاستراتيجيات المتبعة، أم انّها أخاديد تحتاج وقتا إضافيا لتُمحى بشكل كليّ؟ لعلها كانت قد ترسبت عبر مراحل متراصة، وتكثّفت فوق بعضها بعضا، وحفرت كهوفا في الذاكرة. مرارة مكدسة تفوح سريعا مع انبعاث المطر، وتباشير المواسم. تتزامن مع الانتظارات الباهتة في الشوارع الممتدة المضاءة، والمقاعد الشاغرة في الطائرات.

ثمة مَن يعيش ولا يعرف لون الهواء. ينسى أن يصافح النسمة، فلا ينصت لحديث الظلال، ولا يلحظ التماع الأنجم. كيف تقتلع سنيّ وجع متحجر في داخلك، يأبى مفارقتك؟ تطالعه على أغلفة المجلدات، تراه في صفحات الكتب، يلاحقك على رفوف المتاجر، أمام واجهات المحال، في أرقام الهواتف، يتجسد على الشاشة، في أروقة المستشفيات الباردة، في الطرقات التائهة، والمطاعم الكئيبة، في أصوات الملاعق، وحشْد الأطباق، وفي الأفواه المفتوحة المستعدة لأداء فصول من مسرحية مستمرةّ… أوتار وجع منقوش في أيقونات مهربة، وعلى ممرات مداخل القلاع، ومدرجات مسارح حجرية فارغة سوى من صدى عازف الناي الوحيد.

بعد اجتياز مرحلة الصدمة، نظير العيش في غيبوبة، قد لا تفهم ما يحصل حولك، وتتوهم أحيانا أنك قادر على انتشال نفسك من بين الفخاخ، ثمّ تكتشف أنّها أشبه بأذرع أخطبوطية سامة، كلّما استطعت الفكاك من أحدها، التفت الأذرع الباقية من حولك. تقضي عمرك في صراع مرير، مستنزفا طاقتك، مشتتا أفكارك، وقد يدفعك بعيدا من هدف عكفت عليه، إذا لم تتحرر من شرْكه في الفرصة السانحة.

لحظات مضيئة في الحياة يهبها الله لنا. مهما كانت المعوّقات، ثمّة نور في الداخل، ولو كان ضئيلا، لكنه سيشع متى كشفْنا التّراب. تلك الجذوة الكامنة، لا بدّ من أن تجد طريقها. وإن حدث وضلتْ، فسُنّة الكون تقرّ باجتذاب الخير، ودفْع الشر، وتأصيل الحق، وبيان البهتان، وتكريس السلام، ولو بعد حين.

كاتبة لبنانية








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي