النَّفق

2022-09-06

راضية تومي

يقولون لها: "أنت لستِ امرأة"... وهي تعرف معنى ذلك، بل تعرف أكثر من ذلك، فهي لم تعدِ امرأةً منذ زمن طويل، ولأنّها لم تعد امرأة، أصبحت كثيراً من الأشياء ويمكن أن تصبح أشياءَ أُخرى الآن أو في المستقبل. لكنّها تعرف أنّها بلا مستقبل وبلا غدٍ، وأنّ هاتين الكلمتين قد فرغتا بالنسبة إليها من نُور الحلم ومن دغدغة الأمل. إنّهما كلمَتان فارغَتان، وكلّ ما تقومان به من أجلها هو تحديد اتجاه الزمن في حياتها التي تدور في مكانٍ واحد.

هي أيّ شيء، هي شارع وتعيش في الشارع، لها مكان معروف. ولها طريق معروف تذرعه جيئة وذهاباً، حاملة حقيبة يد قديمة تفتقر إلى الذوق. تلبس ثياباً لا تنمُّ هي الأُخرى عن الذوق أو القيمة. تضع أحمر شفاه رخيصاً، يتضارب لونُه مع لون بشرتها النحاسية التي تبدو بُنّيةً ممتزجةً بلون داكن في مواضع أُخرى؛ من أثر الوقوف الطويل تحت الشمس والعيش في العَراء وبين أحضان الشارع وبعض طارقيه. وحينما يرمونها بهذه الجملة: "أنت لست امرأة!"، لا تُفاجأ. هي تعلم أنّها لم تعد كذلك، فما الجديد في هذا الكلام الذي لم يعد منذ أجيال يطنُّ في أذنيها كالشتيمة بل أصبح مجرّد استنتاج يؤكّده لها الآخرون.

إنها تعلم ما هي، فهي نفقٌ يمرّ عبره الكثير من المجهولين، نفق بلا هويّة، نفقٌ أسودُ له ماضٍ ولا مستقبل له، وربّما سيظلم النفق أكثر فأكثر ويبتلعها في النهاية. هي امرأة الشارع الذي رُميت فيه فجأةً، لتجد نفسها بعد ذلك تبحث عن مكانٍ لا يسقط فيه المطر، وفيه شيء من الدفء. مكانٌ يُخفيها عن العيون المفترِسة والمتأفّفة واللّاعنة، حينما تتعب أنفاقها وترغب في قليل من النوم.

وهي جسدٌ افترق عن روحه منذ زمن، بل لم تسنح له الفرصة ليتعرف إلى روحه منذ أن خُلِق، فهي جسد بلا روح. جسد يعلوه وجهٌ استقرّت فيه عينان تعلّمتا البحثَ عن فرصة، عن بعض المال، عن صحن من الأكل الساخن.

وهي تقف في هذا المكان، وأحمر الشفاه الصارخ والبشع على شفتيها المدهوستين علامة. أو تمشي في الشارع شارعها وكأنّها ستذهب إلى أشغالها، ولكنها ما تلبث أن تعود لتمضي في الاتجاه المعاكس بنفس الجدّية، تنتظر أن تقع عليها عين. "أنتِ لستِ امرأة". أعلم، قالت. أنا الشارع وأنا شارع. تمرُّون فيه دون أن تعيروه اهتماماً، تدوسونه ولا تشعرون بآلامه، لكنّه شارعٌ فقدَ كلّ إحساس، وأنا نفق تأتونه من حيث شئتم، ترمون فيه وسخكم وقماماتِكم وتمضون.

هي تعلم أنّها لم تعدِ امرأةً ومع ذلك يبحثون عنها حينما تستبدُّ بهم الرغبة الجامحة، فتمنحهم ما تملكه المرأة. لكنّها ليست كذلك. هي تعلم.

كاتبة من الجزائر








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي