هل حقاً الزمن يغربل؟

2022-08-28

فراس سليمان

1

لن يتجرّأ أحدٌ - إلا فيما ندر- لا يجيدُ العزف على آلةٍ موسيقية، أن يسجّلَ مقطوعةً في استديو، ولا مَن ليس صوتُه جميلاً ليصبح مغنياً. فالأمرُ يتطلّب شيئاً من الموهبة والمهارة، وقِس عليه في الرسم وحقول التعبير الإبداعي الأُخرى، وبغضِّ النظر عن معايير الجودة والسوء في المنتج المطروح.

أمّا "الحكي" فإنه مُتاح للجميع، وهكذا اقتحمت جيوشٌ من هؤلاء مدينةَ الكِتابة، بالإضافة إلى الذين بإمكانهم فكُّ الحرف، ظنّاً منهم أنّ ما يُقال يُكتَب. ربّما علينا ألّا نستاء فالمنصّات مفتوحة لمن يريد أن يحاول، كما أنّ معظم دور النشر تنشرُ لمن يدفع. وبالمقابل أليسَ لبعضنا أن يفزع أمام ظاهرةٍ كهذه، أن ينتبه لحاصلِ التشويه والتخريبِ في الذائقة والمعايير، أم أنّ هذا من طبيعة الأشياء؟

ربّما يقولُ أحدٌ ما: ستُترَك المسألةُ على طاولة "إنّ لحكمةِ الزمن أن تُغربِل" لكن أليست، حتّى هذه الفكرة الآن تحديداً، وأكثر من أي وقت آخر تحتاج لإعادة تفكيك؟

2

ليست بطاقةُ دعوة ووصلت، إنّه بابٌ وفُتح، ودفعتُ داخل منزلِ شيخوخةٍ بُنيَ على عجل.

قرب النهاية أجلس وأضع رِجلاً على رجل كجنرال أبادَ آلاف الأيام دون أن يخوض حرباً واحدة. ما يُعادل جلوسي على كرسيٍّ وأمام طاولة محاولاً أن أنتصر على نصوصي القديمة في اجتراحِ نصٍّ جديد ومختلف وجميل.

هل لي أن أعترف؟ أنّي لا أقوى على القيام بما كان بمقدوري، ولا على ارتكاب حماقاتٍ على غرار ما كنتُ أفعله سابقاً، أو على اجتراح التباسٍ مُحرّض.

حالماً أن مصير جملتي أكثر رأفة من مصيري

ربّما ينبغي أن أرضى الآن، أن أوافق على أنّ أقصى ما يُمكنني فعله هو أن أستثمر عجزي، أن أصف خوفي. وأعترف بألمٍ أن بيت ذاكرتي نصفُه مهدّم، وأني لم أبنِ مأوى لحلم.

هكذا في دخنة العمر أضحك وأسعلُ وأضحك، كيف أهدرت كلّ الالتماعات التي عبرت ذهني، كيف لم أسجّل (أكتب) بعضها، كيف دفنتها في الهواء!

الجَمال إذاً، هذا ما يشغلني لأنه بائد، لأنه جنّة، على هيئة برقٍ لحظي، تقعُ في الماضي والمستقبل في آن. الجَمال الذي يموت لحظةَ استثماره. أمّا الجمال الذي يحيا في عمليات التحنيط، في المكتبات والمتاحف، الذاكرات الحافظة، الذي يُنتجه من يعمل على حلِّ مُعضلةٍ حتميّة الزوال عبر ترك أثر على جسد العبور، فله أن يموتَ أو يحيا عبر آليات مركّبة يستحيل أن يضبطها قانون واحد.

3

أريدُ أن أغادر، لكن لا أعرف إلى أين! غيرَ أنّ المكان الذي أنا فيه هو المكان نفسه الذي أُريد أن أذهب إليه. هل قصدت "أناي" التي تتغيّر بإيقاع مربك وحزين؟

أريد ألا أكتب وهذا ما فعلته لسنوات، أريد أن أثمّن الصمت، وأنا الآن أرسم كلماتٍ تقلّد اللاشيء، لأني اكتشفت أنه من المستحيل تقليد الصمت. ربّما لن أضيف ما يستحقُّ أن يُقرأ، لقد قال ثلّة من أسلافي القلائل نصف ما يرغبون قوله... نصف ما كنتُ أحلم بقوله. أريد أن أكتبَ لكن لا أعرف عمّا ولمن! كأنّ الكتابة هي أن تشوي لحم أشباح وتطعمها لأصواتِ كائنات جائعة.

ليس تأكيد الحضور حافزاً، ليس لأني سأختنق إن لم أكتب. إنها العادة وحسب، تزجيةٌ لوجود صغير. وجودي على طرف الحياة جالساً أُذوّب جليد الأحلام في رأسي وأنا أعرف أنه سينتهي إلى كلمات من وحل. أُعيد تدوير الأفكار حالماً أن مصير جملتي أكثر رأفة من مصيري.

شاعر سوري مُقيم في نيويورك








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي