عن اللحظة التي يستغرقها رجل الشرطة للوصول إلى الطابق الثالث

2022-08-24

حسن أكرم

الرَّجُل العاشق هكذا يبدو اسمه، كان يقف عند سطح البناية التي يسكن فيها، حيث تشتبك أسلاك الكهرباء العشوائية فوق سمائِه وتتفرّق خزّانات الماء على أرضه.

يظهر الرَّجُل العاشق وهو يتلصّص على دخول جوقةٍ من الشرطة إلى باب العمارة في الأسفل. وعلى بُعدِ أمتارٍ من المدخل، تصل للتوِّ حبيبتُه المسكينة - هكذا تبدو- لتنتظرَه هناك، دون أن تنتبه لوقوف سيّارات الشرطة العشوائي في الشارع الهادئ على الدوام.

سيستغرق وصولُ الشرطة إلى الطابق الثالث دقيقةً ونصف، وربّما دقيقتين، حتى يجتمع شمل جوقة الشرطة. فقد لاحظ العاشق أن من بينهم ثلاثة مسلحين بأوزان غير مناسبة لهذه المهنة. وبعد أن يتأكّدوا من أنه قد هرب من الشقّة قبل وصولهم، سيفكّرون حتماً بتفتيش السطح.

لذا كمْ خياراً لدى الرجل العاشق؟

أولاً: أن يرمي بنفسه من أعلى السطح، ويسقط قرب سيارة حبيبته ملطّخاً بالدماء، وهو يرتدي كلسونه القصير وبصدره العاري، هل هذه نهاية يرتضيها العاشق لنفسه؟ ثانياً: أن يغامر ويقفز على سطح العمارة المجاورة ويكتشفَ مصيره هناك. رجال الشرطة تأخّروا عند الباب، وحدث أن اختلفوا على طريقة كسر القفل، كانوا للتوِّ قد اجتمعوا في هذه الجوقة، كلُّ واحد منهم كان يعمل في مكانٍ مختلف، لكن وبقرار مُستحدَثٍ ومُستغرَبٍ تمّ جمعُهم تحت ظلّ هذه الجوقة، وزجُّهم لأوّل مرّة بمهمّة تفتيشية من هذا النوع.

العاشق كان قد قفز ثلاث مرّات أو أكثر حتّى وجد منفذاً إلى الهبوط بسلام، لكنه سرعان ما تدارك محنته، فلا ننسى أنه عارٍ وما من مخرج وسبيل سوى سيارة حبيبته. ركض نحو السيارة، وهو قد تخيّل للتوّ حجمَ الخطأ الذي يقترفه بحقّها. بنتٌ جميلة ومحترمة تنتظر رجلاً هارباً من العدالة يركض عارياً نحوها ماذا ترك لسمعتِها إذن؟

نظرا إلى وجهه ودقّقا، ثمّ استدركا أنه ليس الرجل المطلوب

بينما كانوا قد تمكّنوا من فتح الباب والدخول إلى شقّته، كان هو في السيارة يصرخ بصوتٍ مرتبكٍ "بسرعة إلى الأمام". شعرَ للحظةٍ أنه قد وُلد من جديد، وأنّه محظوظ جدّاً بوصول حبيبته في هذا الوقت.

لكن سرعان ما ذابت تلك السعادة عندما سألته عن الوِجهة التي سيذهبون إليها؟ لحظتها تنبّه إلى ما تأخّر في شرحِه، عريه وقفزته من البناية المقابلة وسيارات الشرطة. شعر بضيقٍ في التنفّس وتقلّصٍ في عضلات الكتفين وألمٍ مُتعِب في الظهر. ثم ما انفكَّ يفكّر بتفضيل سقوطه منتحِراً، على أن يشعر بكلِّ هذا الحَرَج والتيه.

ثم سرعان ما تغافلَ عن كلِّ ذلك، بالتنبُّه لفرصةِ اختبار حقيقي وصادق ممكن أن يحدث الآن، أن ينكشف على حبيبته بهذه الطريقة الشفّافة يمكن أن تكون فرصةً لاختبار حبّها له. فبعد أن أعياه التفكير بحقيقة حبّها له، هل تحبّه كفرد بمعزلٍ عن وجودِه بين الجموع، أو أنّها تحبه كممثّل للحب بشكله المعروف في التلفزيونات، هبط عليه سؤال ثقيل: "إلى أين سأذهب الآن وأنا عارٍ". ثم شعر للحظةٍ أنّ حبيبته قد تتحرّج من وجوده معها بهذا الوضع، فنظراتُها إليه مرتبِكة، أضف إلى ذلك نظرات الناس نحوهما وهما يمرّان في كلّ مكان.

استيقظ من نومه الثقيل منزعِجاً، وهو يشعر بأن رجلاً ما كان يجثو على صدره للتوّ، وما إن استردَّ أنفاسه، حتى تنبَّه لصوتِ الباب وهو يرتجُّ، كأن أحداً ما يحاول كسره. تذكَّر جوقة الشرطة الذين داهموه في الحلم، ولم يفكِّر بالهروب هذه المرّة، فكَّر فقط بأن يرتدي بنطلوناً وقميصاً، قبل أن يتّجه بنفسه إلى الباب وعندما فتحه وسحب المقبض إليه، اندفع اثنان من الشرطة إلى الداخل وسقطا أرضاً غير متوقّعين من العاشق أن يفتح الباب بنفسه، تدحرجا على بطنيهما ثم استعادا اتِّزانَهما. لكن عندما نظرا إلى وجهه ودقّقا فيه، ثمّ استدركا أنه ليس الرجل المطلوب، هو ليس أكثر من رجل عاشق عادي.

كاتب من العراق








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي