الصور الفوتوغرافية تؤسس ذاكرة مخيمات لبنان الحية

خدمة شبكة الأمة يرس الإخبارية
2010-06-14 | منذ 9 سنة
مجموعة 'متحف فرحات للأعمال الإنسانية' توثق جانباً من التاريخ الفلسطيني واللبناني المشترك.

القدس المحتلة ـ من إياد صالح

محمود الزيات، علي حشيشو، محمد زعتري، بلال قبلان، حسن عبد الله، علي سيف الدين، مروان طحطح، بلال جاويش، كلّهم مصورون صحفيون اجتمعوا من خلال أعمالهم الفوتوغرافية، التي تجاوزت ألف صورة فشكلت أرشيفاً بصرياً للتاريخ اللبناني المعاصر، القاسم المشترك بين أعمالهم هو الإنسان الفلسطيني الذي يحيا داخل المخيمات بلبنان.

ومن خلال عدسات هؤلاء المصورين تَبرز مآسي اللاجئين الفلسطينيين بلبنان بكل مشاهدها الواقعية اليومية المريرة لا كمجرد شكل جامد يعرض في مناسبات وطنية وإنما كروح متحركة متواصلة مع المحيط الذي زُرعت فيه فترتقي إلى السريالية بأسلوب خارق منحَ الصورة قدرة تأثيرية، تركت بصمة عميقة ثنائية الأبعاد فنياً وسياسياً.

وتوجد هذه الصور ضمن مجموعة "متحف فرحات للأعمال الإنسانية" حيث توثق جانبا من التاريخ الفلسطيني واللبناني المشترك.

واقع المخيمات الفلسطينية في لبنان

بدأ مصطلح اللاجئين الفلسطينيين في الظهور إثر إعلان ظهور دولة إسرائيل فوق ما يقارب 78 بالمائة من مساحة أرض فلسطين بعد "نكبة 48" وما لحقها من تدمير لـ531 قرية وتقتيل وتشريد الفلسطينيين الذين لجأوا إلى الدول المجاورة وما سمي بقطاع غزة والضفة الغربية ليبدأ التعامل بهذا المصطلح.

وفي 8/12/ 1949 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 17/302 القاضي بتأسيس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونوروا" والقرار 194 القاضي بضمان حق عودة اللاجئين.

وحسب إحصائيات الأونوروا يعيش أكثر من 3.4 مليون لاجئ فلسطيني مسجلاً بالوكالة في 59 مخيماً بلبنان والأردن وسورية وغزة والضفة.

مخيّمات لبنان

وتعتبر لبنان من أول الدول التي احتوت أراضيها لاجئينَ فلسطينيين منذ سنة 1948 بها 12 مخيماً موزعين على عدة مناطق لبنانية منها بيروت، صيدا، صور، البقاع وهذه المخيمات هي عين الحلوة، الرشيدية، برج البراجنة، البرج الشمالي، صبرا وشاتيلا، البداوي، البص، الجليل، مارس إلياس، المية مية، ضبية، نهر البارد.

ويعاني اللاجؤون الفلسطينيون بلبنان من عدة أزمات إنسانية وحياتية ونقص هائل في الخدمات ونظرة دونية وعدم تعامل الدولة المحتضنة لهم بقوانين منظمة كل ذلك أدى إلى عدة صعوبات حياتية منها الحصول على المياه والكهرباء والصرف الصحي ونقص العمل وقلة التعليم مما خلف عدة مشاكل وآفات اجتماعية، وقد كانت المخيمات الفلسطينية بلبنان مسرحاً لأكثر الأحداث وحشية في تاريخ الوجود الفلسطيني بلبنان وخاصة في الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان فكان الصراع لبنانياً لبنانياً ولبنانياً فلسطينياً حمل شعار "وضع حد للتهديد الفلسطيني للسيادة اللبنانية"، وهو ما جعل من الفلسطينيين طرفاً أساسياً في النزاع الداخلي المسلح خاصة إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان، لتقتحم الحرب المخيمات ويسجل التاريخ المجزرة البشعة في مخيم "صبرا وشاتيلا".

وحالياً يواجه اللاجئ الفلسطيني داخل لبنان وضعاً مأساوياً ذلك أن الدولة لم تحدد علاقتها باللاجئين مهما اختلفت مستوياتهم عمالاً كانوا أو مزارعين أو جامعيين وطريقة تعاملها معهم لم تتغير منذ أولى سنوات اللجوء إضافة إلى عدم تمتع اللاجئ بقوانين الضمان الاجتماعي وتدني الأجور والبطالة..كل ذلك أسس لحالة تدهور كاملة لحياة شعب مطلبه الأول حياة مثل بقية دول الأرض.

المخيم الفلسطيني صورة تختزن المشهد والفكرة

الحكاية عن الإنسان الفلسطينيّ لا تنتهي؛ فبين ظلام السجون وألم الحصار وفرقة المدافعين وعتمة المخيم ومأساة اللاجئين، يوجد خيط متين يفصل بين الموت مع فكرة الظلم والحياة مع الأمل، فالمخيّم الفلسطيني يحمل في الذاكرة صورة قاتمة داكنة تختزل التعبير عن فقدان الوطن وما خلفه من مجازر وتقتيل وتهجير وذلك تخزن أملاً دائماً في العودة، كحق مشروع لا رجعة عنه، وقد عكست هذه الصور كغيرها من الأعمال الفنية قيمة سياسية وفنية، تكرس شعاراً مهمّاً وهو "حتى لا يبق الشعب الفلسطيني مغيّبا"، كتأكيد لضرورة التوثيق وجدواه، وأهمية الصورة متعددة الأبعاد والمستويات الحضارية والإنسانية، فقد نجحت في أن تكون حكاية ومشهدا وفكرة...

وتُظهر هذه الصور مزيجاً عاماً من الأمكنة والشخوص التي ظهرت في شكل بورتريهات ارتكزت على ذلك التواصل بين الأجيال والاشتراك فكرة واحدة، تجلت في نظرات العجائز الموحية بتذكر الوقت الماضي الهارب من طيات السنين ونظرات الأطفال الساعية للقبض على لحظات الحرية بين خدوش الطفولة الممزقة الباحثة عن الوطن والانتماء الحقيقي.

كما تُلقي هذه الصور الضوءَ على المكان بكل أركانه وزواياه وواقعه المتمثل في الأحياء غير المهيئة، ما يشبه البيوت والمساكن في ذلك المكان الذي تفوح منه رائحة الفقر والبطالة والأمراض.

غير أنه ورغم كل ذلك الكم من الوجع استطاعت الصور أن تنفذ في حس إنساني غامض لتجمّد الزمن الذي انعكس في تجاعيد تلك الوجوه ليدفعها نحو سرد عميق لحكاياها المتنوعة اللامتناهية واللامتنازلة عن الأرض والبيت والمفتاح وكل ما يثبت أنها أتت من هناك من عمق الجرح ورائحة التراب وأن هذا المخيم ليس إلا وضعا مؤقتا، ذلك المشهد عكسته أضواء الصورة المتباينة داخليا كأنها في صراع هي الأخرى بين السطوع والعتمة، وهذا هو السر وراء نجاحها فقد تمكنت من أن توجد الروح داخل مسطحاتها فبثتها فيها لتتخلص من جمود المادة عاكسة تأثير المصور ذلك الإنسان الشاهد والمصور ذلك الإنسان اللاجئ.

الصورة /الرمز

إن المخيم من خلال الصور تجاوز شكل الصورة العادي ليتحول كل ما فيه إلى رموز اختلفت معانيها الإنسانية فهي تعبر عن مطلب بسيط في الحياة وهذا المطلب عميق في ذهن كل لاجئ طفلاً كان أو كهلاً أو شيخاً، رجلاً أو امرأة لأنه يخفي كل الأمنيات عن الوطن والأرض.

فبسطت الواقع بكل مشاكله الاجتماعية والسياسية والثقافية والنفسية التي تنمو داخل كل طفل وجد نفسه في المخيم منعوتا بصفة لاجئ ابن لاجئ ممزقا بين قصص الانتماء إلى أرض ووطن، وواقع الوجود فوق رقعة محدودة خانقة منبوذة يسميها العالم "مخيماً" ووسط كل ذلك يتولد الإحساس بالقهر والظلم والرغبة في الانتقام والبحث عن المنفذ.

وهو ما بدا لهؤلاء المصورين الصحفيين فقاموا ببثه داخل صورهم التي أوصلت الرؤية إلى نفس كلّ متلقّ قرأ في عيون تلك الشخوص ذاكرة الأيام وكل أوجاع التاريخي والسياسي.

إن أهمية هذه الصور تكمن في كونها توثيقا يتجاوز مجرد المشاهدة العابرة ويؤسس لذاكرة حية وفكر وحس يقدم للعالم مأساة الفلسطيني وصراعه وثباته.


 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي