لِمَاذا نقرأهم ولا يقرأوننا؟

2022-08-10

واسيني الأعرج

إن الثنائية، مشرق – مغرب، بنيت على كم كبير من الأوهام والأفكار المسبقة، داخل الجسد الثقافي الواحد، واللغة المشتركة، والهاجس الحضاري والديني الذي لا يختلف إلا في التفاصيل. تحتاج هذه الثنائية إلى قراءة متأنية وتفكيك أولي، ليس فقط للظاهرة ولكن للنخب الثقافية أيضاً التي تبنتها مشرقاً ومغرباً.

فقد ظلت مقولة «بضاعتنا رُذت إلينا» تتحكم في التصورات الثقافية المغاربية/ المشرقية، بالخصوص بعد أن استعملت ضد «العقد الفريد» لأحمد بن عبد ربه الأندلسي (246-328 هـ). فعندما وصل الكتاب إلى الوزير المثقف والعلامة الصاحب بن عباد، كانت ردة فعله شديدة لقسوة لا تمت للنقد بصلة «هذه بضاعتنا ردت إلينا»، إذ قال بأنه لم يجد في الكتاب جديداً، فهو بحسبه، ليس أكثر من تجميع لنصوص موجودة سابقاً، واقتباسات لا تضيف معرفة جديدة على غرار ما قام به أبو الفرج الأصفهاني في أغانيه، ومقابسات التوحيدي وإمتاعه ومؤانسته. ومع ذلك، لا أحد من نقاد ذلك الزمن استهان بجهد الأصفهاني أو التوحيدي؟ وحتى رد فعل النخبة المغاربية من هذه الثنائية التي ظلمتهم، لم تكن دائماً صائبة.

إن الصراعات الداخلية التي شكلت النخبة المغاربية لم تبقها بعيدة أدبياً. نلاحظ مرحلتين مرت بهما هذه النخبة؛ مرحلة الاهتمام الوطني والثورات حيث كانت العلاقة المغاربية بالأدب المشرقي محدودة جداً بسبب العزلة ومحاربة اللغة العربية من طرف الاستعمار، وقد تبناها جيل من الذين درسوا في المشرق، في مصر والعراق وبلاد الشام، وتشبعوا بالأدب العربي المنتج في المشرق، وهم من قاد حملات التعريب والتعليم وربط البلدان المغاربية بالدائرة العربية، بينما ظل التيار الفرانكفوني عموماً، على الرغم من تنور الكثير من تياراته، ووطنيتهم، بعيداً نسبياً عن هذه الانشغالات، بل كان يرى في التعريب تهديداً لغوياً. بغض النظر عن مسألة استرجاع اللغة العربية بعد قرون من الاضطهاد، التي هي حق طبيعي، لم تكن العمليات التعريبية ناجحة لأنها بنيت على الإقصاء اللغوي منذ البداية في وقت كان يمكن الاستفادة من التيارات الفرانكفونية الفاعلة في الحقل الثقافي والاقتصادي، الموجودة في كل القطاعات بدل تهميشها وإقصائها. ربما كانت الحالة التونسية والمغربية أقل حدة، لأن البلدين كانا تحت الحماية، بينما كانت الجزائر محافظة فرنسية. لهذا كانت عمليات المسخ الهوياتي واللغوي أكثر عمقاً وخراباً. ردود الفعل الناتجة عن ذلك كانت متطرفة وصارمة، وفي الأغلب الأعم غير علمية. يجب أن نقول إن المنتج الأدبي والروائي باللغة العربية كان محدوداً وضعيفاً، وكان لا بد من انتظار السبعينيات حتى تصبح الكثير من الأجناس ظاهرة ومقبولة.

لم يُلتفت للأدب المغاربي من طرف كتّاب وأدباء المشرق، إلا بشكل محدود. فقد كتب طه حسين عن مولود معمري، الكاتب الجزائري باللغة الفرنسية عن روايته «الهضبة المنسية»، كما كتب عن أحد أهم مؤسسي الأدب التونسي الكبار محمود المسعدي، عندما كتب عن رواية «السد»، لكن العلاقة الأدبية ظلت محدودة وتكاد لا تذكر. كانت هيمنة الأدب الفرانكفوني في الستينيات، كبيرة، في زمن كان الأدب العربي يولد بصعوبة. هذه السياسة جعلت البلدان المغاربية تكتفي بالشرطية الجغرافية على حساب التاريخ الثقافي والحضاري العربي، بالخصوص بعد إخفاقات مشاريع الوحدة العربية التي تمت كلها في المشرق. وانهيار جامعة الدول العربية التي أصبحت أداة تفرقة ونفي بدلاً من مؤسسة جامعة، وظل الخيار الأساسي ثقافياً ولغوياً وأدبياً؛ لأنه لا يحتاج كثيراً إلى قرارات تحتاج إلى اجتماعات مسبقة لا تتم في الأغلب الأعم. وهو حالة الجامعة العربية التي أخفقت حتى في خلق قناة ثقافية عربية مشتركة التي تمر عبرها خيارات الثقافة العربية مثلما حدث بين ألمانيا وفرنسا مع ARTE التي تأسست ثقافياً للتقريب بين الثقافة الفرنسية والألمانية والأوروبية.

بعد حملات التعريب التي لم تكن دائماً موفقة، على الرغم من ضرورتها، بدأ الابتعاد عن البراغماتية التي كانت قد تأسست مغاربياً من خلال التجارب الثقافية الحياتية التي صنعها الجيل السابق وحلت محلها الحلول الراديكالية. بدل أن يحل محل ذلك فكر قومي حيوي ودينامي، حيث أصبحت العروبة خياراً مغاربياً، فُرِض نمط إقصائي من التفكير، فلا العروبة انتصرت، ولا العقلانية التي رسختها نضالات النخبة المغاربية. عقدة العروبة عند المغاربيين بسبب المسخ الاستعماري جعلتهم يرتبطون بالمشرق بقوة في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه لغوياً، وكانت النظم المدرسية ركزت بقوة على الأدب المشرقي أكثر من المغاربي من خلال الأساتذة المشرقيين من العراق وبلاد الشام ومصر، الذين كانوا من تيارات مختلفة أيديولوجياً، من العقلانية العربية، حتى التيارات الإخوانية لتغطية الحاجة اللغوية العربية. وتحولت المدرسة الجزائرية على وجه الخصوص، إلى ميدان للصراعات الإيديولوجية، لكن ذلك لم يمنع من بداية انتشار اللغة العربية على قطاع واسع، بالخصوص عند الفئات الصغيرة خريجة المدارس المعربة. وكان لهذه الموجات تأثير كبير في الحياة الثقافية العامة. وأصبح من الطبيعي أن تعرّف المغاربيون على طه حسين والعقاد وحافظ إبراهيم وجبران وحنا مينة ومي زيادة، وغيرهم كثير، لكن في الوقت ذاته تراجع في البرامج المدرسية نفسها الوجود الأدبي المغاربي باستثناء التيارات الإصلاحية القديمة التي لها طابع سياسي أكثر منه أدبياً، والتي يندرج مشروعها ضمن دائرة الجمعيات الدينية أو الحركات الإصلاحية المهتمة باللغة والفكر العربيين.

وهكذا تعرف المغاربيون على كتاب المشرق، بل شكلوا قاعدتهم الثقافية الأساسية، ولم يكن لكاتب مثل نجيب محفوظ أن يمر مرور الكرام في سياق الاكتشافات الثقافية، ولا عبد الرحمن الشرقاوي، وحنا مينة، وجبران خليل جبران، والمنفلوطي، ومي زيادة، والسياب، ونازك الملائكة، وفي وقت لاحق جمال الغيطاني، وصنع الله إبراهيم، وإلياس الخوري، وجابر عصفور، وصلاح فضل، ويمنى العيد، وغير هؤلاء، من الذين شكلوا مع الزمن بنيته ثقافية أساسية في المعطى الحضاري، فقرأهم المغاربيون بلهفة المكتشف، وتأثروا بهم كثيراً. وكتبوا عنهم أيضاً في مجلاتهم وجرائدهم. وأنجز الطلبة في مختلف الجامعات العربية رسائل جامعية مهمة حول الأسماء الثقافية العربية الشرقية. المشكلة التي ظلت تقض مضجع المغاربيين، وإن تغيرت الأوضاع اليوم كثيراً: لماذا نقرأهم، ولا يقرأوننا؟ لم يكن هناك أي اهتمام يذكر بالأدب المغاربي، وهو ما ورث الكثير من المرارة في نفوس الكتاب المغاربيين. رواية «اللاز» للطاهر وطار ظلت زمناً طويلاً يتيمة لا أحد يهتم بها مشرقياً، بينما حضورها في الجزائر وفي البلدان المغاربية كان قوياً ومؤثراً؛ ربما لموضوعها السياسي ولقدرة الكاتب على تخطي الخطابات الوطنية المسطحة. وكان يجب انتظار نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات لتقوم بعض دور النشر المشرقية بنشر بعض الأعمال المغاربية، ومنها أعمال الطاهر وطار في دار ابن رشد، التي نشرت أيضاً بعض أعمال رشيد بوجدرة، كما وجدت رواية الميلودي شغموم «الضلع والجزيرة» ناشراً لها في المشرق، وغيرها من الأعمال الروائية والشعرية الأخرى التي أظهرت قدرات إبداعية كبيرة في البلدان المغاربية، والتي كانت تحتاج إلى اهتمام خاص أكبر بمنجزها الأدبي، وهذا ما سيتم لاحقاً مع الرواية والترجمة، والنقد بالخصوص، بحيث تمكن المغاربيون من فرض أنفسهم في هذا المجال، وعادت التكاملية الثقافية الطبيعية مشرقاً ومغرباً إلى طريقها الطبيعي، في حقل ثقافي وحّده التاريخ واللغة والدين.







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي