الإرهاب الصهيوني

مجزرة "الحرية"... العالم يعيد اكتشاف إسرائيل كيانا قاتلا

خدمة شبكة الأمة يرس الإخبارية
2010-06-05 | منذ 9 سنة

عندما سجلت إسرائيل جريمتها البربرية في شرق المتوسط فجر الإثنين الماضي، انتبه العالم مرة أخرى إلى بركان من الحقد الانساني الذي تضمره دولة هذا الكيان، وتأكد مرة أخرى أن المستهدف ليس الشعب الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة فحسب، بل وكل من له ضمير انساني حي سعى إلى رفع الظلم عن مئات الآلاف من المضطهدين والجياع والمرضى والمعوقين، تتحمل وزر ما حل بهم البشرية كلها.

في ذلك اليوم المشهود، حين امتزج الدم الأحمر بمياه البحر المتوسط انكشفت العنصرية الصهيونية وتجلت عارية أمام الجميع، وتأكد للعالم أجمع أن هذا الكيان العنصري الذي يسمى إسرائيل يعيش خارج نطاق البشرية وبعيداً عن المنظومة الإنسانية، وخارج سياق أي تعامل إنساني، وبجريمتها تلك لم تقتل إسرائيل متضامنين بل قتلت الناس جميعا.

ومثلما كان ذلك اليوم مشؤوما بالنسبة للمجرمين، كان بردا وسلاما على المنكوبين في قطاع غزة، بعدما ذاقت جنسيات كثيرة من العالم ما يتجرعه الفلسطينيون منذ قرابة الثمانين عاما، أي منذ جرائم عصابات الآرغون والهاغناه وغيرها من فلول الإجرام الصهيوني، وعرف العالم أيضا أن الفلسطينيين لا يشكلون تهديدا لأحد، وإنما هم شعب مقاوم يقاتل ويستشهد من أجل حقوقه، ومن أجل أن يعترف المجتمع البشري، أن الفلسطينيين يريدون أن يكونوا مثل غيرهم من البشر يتمتعون بحقوق الحظيرة الانسانية.

أما كيان الاغتصاب والجريمة، فقد عرف العالم أنه دولة قراصنة، وأن ما اكتوى به الفلسطينيون والعرب طول العقود الماضية لم يكن تباكيا مجانيا، بل كان واقعا مؤلما لم يقتنع به العالم الحر ولم يتجرأ على الرد عليه.

ولكن بعد مذبحة أسطول الحرية، وبعد جرائم الحصار والقتل والتهجير، وآخر ما هو ماثل للعيان الحصار المضروب على غزة، أصبحت الواقع في صورة أخرى، وبتكثف الوقائع تكثفت الدلالات أيضا، ولا نبالغ حين نقول إنه منذ أن انتكس الجيش الإسرائيلي في العدوان على لبنان صيف 2006، وأخفق في العدوان البربري على غزة العام الماضي، ثم في مذبحة الحرية، ظلت "النجم" الإسرائيلي في نحوس وسمعته في الحضيض، وبعد أن كان في الغرب كيانا مدللا يحظى بالدعم الشعبي قبل الرسمي، ها هو اليوم لا يجد من يجيره إلا فئات قليلة مشبوهة وبعض الحكومات المتصهينة.

ويبدو أن جريمة أسطول الحرية كانت القطرة التي أفاضت الكأس ومن خلال ردود الفعل العنيفة عنها، ظهرت كثير من الدلالات، أولها، تمثل في اتساع نطاق صحوة الضمير العالمي على الجريمة الاسرائيلية المتمادية بحق الشعب الفلسطيني خصوصاً والعرب والمسلمين عموماً، وهي صحوة بدأت تؤدي إلى عزلة متزايدة لهذا الاحتلال الاسرائيلي على صعيد الرأي العام العالمي وهو الاحتلال الذي نجح في تصوير نفسه في البداية كضحية أمام جلاد، وليتبين اليوم أنه الجلاد، فيما شعبنا الفلسطيني وأبناء الأمة العربية هم الضحية الدائمة لعنصريته وعنجهيته ومنطقه الاستعماري الاستيطاني.

هذه النتيجة أفضت إلى أخرى، وهي اتساع نطاق المشاركة الانسانية في تحمل مسؤولية الانتصار للحق الفلسطيني، وهي مرشحة للتزايد من أقصى الأرض إلى أدناها، وصولا إلى قلب الشرق الأوسط في تركيا وإيران، وصولاً إلى العمق الأفريقي والوجود الإسلامي المتنامي في أوروبا وأمريكا وقارات الدنيا كافة.

وهذا الوعي وقعت ترجمته ضيقا متزايدا عربياً وإسلامياً ودولياً من جريمة الحصار على قطاع غزّة الصامدة، وهي جريمة لا تنحصر مسؤوليتها بالاحتلال الاسرائيلي وحده، بل بأنظمة عربية مشاركة في الحصار، أو متواطئة معه، أو صامتة عليه، وهو ضيق تعبّر عنه هذه القوافل المتتالية من البر والبحر التي تحمل في معانيها من المضامين الإنسانية والتحررية أكثر مما تحمله من المواد الإنسانية التي يتوق إليها المحاصرون في قطاع غزة المنكوب.

إن اتساع الحركة الإسلامية والعالمية المنتصرة لقضية الشعب الفلسطيني والتي تتجسد في قوافل التضامن ومظاهرات التنديد بالجرائم، ولوائح الاعتقال التي تصدر من حين إلى آخر لاعتقال مجرمي الحرب الإسرائيليين، أو في مئات المتضامنين الأوروبيين والأجانب المشاركين في حملات مواجهة الجدار العنصري والاستيطاني، أو في الآلاف من المشاركين في مؤتمرات وملتقيات ومنتديات انعقدت حول القدس وحق العودة والجولان ودعم المقاومة ونصرة أسرى الاحتلال الاسرائيلي، تأكيد على سلامة النظرة القومية العربية التي أكدت دوماً على تكامل عميق بين العروبة والإسلام، وكما على المضمون العالمي الإنساني لحركة التحرر القومي، كما أن هذا الاتساع هو دعوة لكل القوى الحيّة في العالم لكي تتحمل مسؤولياتها في إطلاق برامج وآليات تحول هذا الانتصار المتزايد لقضايانا إلى قوة فاعلة في عالم اليوم، بل إلى قطب شعبي عالمي كبير يمارس دوره في بناء عالم أكثر عدلاً وأكثر توازناً.

وقد كان من دلالات الجريمة الإسرائيلية أنه حتى في الولايات المتحدة، لم تتخذ إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما موقفا شديد الوضوح في مساندة جريمة إسرائيل، بل طالبت بصيغة مباشرة إلى إنهاء الحصار على غزة، وطالب أوباما المجرم نتانياهو بإجراء تحقيق عاجل وإبلاغه، بالتفاصيل.

وبقطع النظر عن التحالف العضوي بين الولايات المتحدة ودولة الكيان الغاصب، إلا أن الخلاف بين الجانبين واقع، فإدارة أوباما ليست مرتاحة جدا لتصرفات المتطرف بنيامين نتانياهو، وبعد أن كان من بين شهداء أسطول الحرية مطوع أمريكي، فإن واشنطن لا يجب أن تدس رأسها في التراب، لأن في ذلك صفحة جديدة تواجهها حكومة التطرف لحليفتها وراعيتها الوحيدة.

خلال الأشهر الأخيرة وجه الكيان الإسرائيلي عدة صفعات مؤلمة لواشنطن وبعد أن تلقى نائب الرئيس جو بايدن والمبعوث جورج ميتشل عدة صفعات برفض وقف الاستيطان وكسر تعهدات واشنطن لحلفائها العرب، ها هي واشنطن تتلقى صفعة أخرى باستشهاد أحد مواطنيها على متن السفينة مرمرة في الطريق إلى غزة.

أما في أوروبا فقد علت نبرة التنديد مختلف المنابر، وحتى ألمانيا المقيدة بما يسمى "وزر الهولوكست" نطقت واعتبرت الجريمة غير مبررة، بينما طالب الاتحاد الأوروبي برفع الحصار عن غزة وإجراء تحقيق دولي في جريمة أسطول الحرية.

وقد كان الموقف الذي أفصح عنه الأمين العام للأمم المتحدة ذا دلالة كبيرة، عندما طالب برفع الحصار فورا عن غزة، وبان كي مون عندما أعلن بيانه كان يستجيب لضمير المجتمع الدولي، وخصوصا المنظمات المدنية التي ضغطت بقوة وغضب شديدين، وتجلى ذلك في المظاهرات التي جابت عواصم أوروبا ومحاولات اقتحام السفارات الإسرائيلية في أكثر من عاصمة.

إن جل المواقف الدولية المستنكرة للجريمة الإسرائيلية لم تتشكل عبثاً، ولا مجاملة للعرب والفلسطينيين، ولكن لأن إسرائيل دفعتهم دفعاً إلى اتخاذ هذه المواقف السياسية نظرا لتماديها في ممارساتها الاستفزازية.

وعلى خجل سجل العرب بعض المواقف، رغم أن ذلك كان دون المأمول، إذ كان يمكن للعرب أن يستثمروا الجريمة الإسرائيلية بالشكل السياسي المطلوب لإدانة إسرائيل، وتغيير قواعد اللعبة التي كرستها إسرائيل في الذهنية السياسية الدولية، والسعي إلى جمع أكبر قدر من المواقف المضادة لإسرائيل، ووضع الحلول الواقعية للقضية الفلسطينية بشروط العرب أنفسهم، وتعريف المجتمع الدولي بحقيقة هذا الكيان الوحشي الذي يثبت كل يوم أنه أبعد ما يكون عن السلام بسبب أسلوبها الهمجي، وكأنها تضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي للوقوف مع الحق أم ضده.

بعد جريمة الأسطول يجب أن تفتح صفحة جديدة في التعامل الدولي مع كيان السفاحين في تل أبيب، وعلى العالم أن يتحلى بشيء من الأخلاق ويقول كفى للاستهتار بالقانون الدولي، وأن لا يعيد تشغيل اسطوانة تحقيق السلام في الشرق الأوسط، لأن السلام المزعوم لا يتم إلا على أساس العدل والحق، وما يُطلب لإسرائيل في ما نرى ونسمع لا يستند إلى أي حق، بل هو قائم على سياسة الغطرسة والجريمة والبلطجة، وهذه طريق ستظل قصيرة مهما طالت ولن تدوم أكثر مما دامت.

ويبدو أن الدماء الزكية التي سفكت في أسطول الحرية أحيت الضمير العربي الرسمي أيضا ودفعته للتوجه إلى رفع الحصار عن قطاع غزة، ولكن ذلك يبقى أقل من المأمول أيضا، فالمطلوب هو أن يجعل العرب من المذبحة أداة لفضح إسرائيل وكشف كيانها المجرم أمام الرأي العام الدولي، بالرغم من أن الجميع بات يعرف اليوم أن سمعة إسرائيل في الحضيض ولم يعد ينفعها كالسابق التباكي والتظلم وطلب النصرة من الغرب الجاهل بما يجري.

إن التاريخ الآن بدأ يأخذ دورة جديدة من خلال الصحوة الكبيرة التي تجتاح العالم بسبب الجرائم الإسرائيلية، ويبدو أن ماكان قبل سنوات ضربا من الخيال، أصبح الآن قريب المنال، وبمعتى آخر، فإن إسرائيل التي طغت وتجبرت لعقود طويلة، لم يعد مسموحا لها أن تستمر في هذه السياسة، ويبدو أن كيان الجريمة ذاهب إلى مصيره المحتوم وهو الزوال واحتلال مكانه في الدرك الأسفل من التاريخ.

إن الانسانية التي رمتها إسرائيل تحت الأقدام، كما وصفها رئيس الوزراء التركي السيد رجب طيب أردوغان ستنبذ هذا الكيان وتضعه بدورها تحت الأقدام.

وقال أردوغان في كلمته التي القاها أمام البرلمان الثلاثاء الماضي للتعليق على المذبحة "الحرب والسلم لهما قوانين خاصة، حيث لا يتم مهاجمة الأطفال أو النساء أو الشيوخ، أو مهاجمة المدنيين، فكيف نصف أولئك "الاسرائيليين" الذين يهاجمون هؤلاء في السلم وليس الحرب أنهم يضعون الانسانية تحت الاقدام".

وأضاف " ما قامت به إسرائيل تجاه اسطول الحرية الذي على متنه مواطنيين من 33 دولة، يعتبر ضربة سوداء في تاريخ الانسانية، وما قامت به إسرائيل هو عمل دنيء وغير مقبول".

وشدد أردوغان على أن "عملية الابادة الدموية التي ارتكبتها اسرائيل بحق متضامني اسطول الحرية تستحق كافة الانتقادات، حيث انتهكت القوانين الدولية واستهدفت السلام العالمي".

وكان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف قد تبنى بأغلبية ساحقة قرارا يدين إسرائيل ويدعو لإجراء تحقيق دولي في انتهاكات القانون الدولي التي نجمت عن الهجوم على أسطول الحرية.

ويعتبر قرار مجلس حقوق الإنسان انتصارا جديدا لشهداء الحرية ولموقف تركيا بالنظر إلى أن بيان مجلس الأمن الدولي حول المجزرة وتحت تأثير الولايات المتحدة ترك إمكانية القيام بالتحقيق المطلوب بين أيدي إسرائيل، إلا أن مجلس حقوق الإنسان أكد ضرورة أن يكون التحقيق دوليا وهو ما تصر عليه تركيا، أيضا فإن القرار من شأنه أن يساعد تركيا والدول العربية والإسلامية وأحرار العالم على رفع دعاوى قضائية أمام المحاكم الوطنية في الدول الأوروبية وحتى ملاحقة قادة إسرائيل أمام المحاكم التركية.

وبجانب ما سبق وفي تأكيد جديد على أن دماء شهداء الحرية لن تذهب سدى فاجأت نيكاراغوا الجميع في 2 يونيو بالإعلان عن قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل ردا على الهجوم الإسرائيلي على "أسطول الحرية" الذي كان متجها إلى غزة واستشهاد 19 متضامنا وإصابة 50 آخرين.

وجاء في بيان تلاه رئيس نيكاراجوا دانييل أورتيجا عبر الإذاعة : "إن مانجوا تقطع فورا علاقاتها الدبلوماسية مع حكومة إسرائيل، إن حكومة نيكاراجوا القريبة من اليسار الراديكالي تشدد على عدم التكافوء في الهجوم على البعثة الإنسانية وذلك في انتهاك فاضح للقانون الدولي وحقوق الإنسان".

وأعرب عن تضامن بلاده وتعازيها الحارة لعائلات الضحايا والدول التي ينحدرون منها، مجددا التأكيد على دعم نيكاراغوا غير المشروط للكفاح الذي يخوضه الشعب الفلسطيني وضرورة رفع الحصار المفروض على قطاع غزة.

وتنضم نيكاراغوا بالخطوة السابقة إلى عدد من دول أمريكا اللاتينية، ففي يناير/ كانون الثاني 2009 قطعت فنزويلا وبوليفيا علاقاتهما الدبلوماسية مع تل أبيب بعد الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة وكانت كوبا قطعت علاقاتها مع إسرائيل عام 1973.

وحتى الغطاء الأمريكي ودعم اللوبي الصهيوني لم يمنع من فضح الوجه العدواني الحقيقي لإسرائيل أمام العالم، بل إنها باتت بعد مجزرة "الحرية" في مواجهة مع الأحرار في كل مكان على الكرة الأرضية، لتصبح بذلك دولة هذا الكيان عارية لا يتوفر لها غطاء إلا جرائمها، كما ستظل دماء ضحاياها تلاحقها في أي مكان حتى تزول نهائيا مثلما زالت من الوجود كيانات مجرمة، تعرفها الانسانية وتذكرها ولكن باللعنات الحارة.


 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي