لصقة أمريكية…

2022-06-30

سهيل كيوان

هل تذكرون «اللزقة الأمريكية»! التي عليها صورة نسر وعلم الولايات المتحدة، واسمها الرسمي لصقة جونسون!

ما إن يعلن أحدهم بأنه يعاني من أوجاع ظهر حتى تأتي النصيحة بدون تأخير «حُطّ لزقة أمريكانية»، وكانت هذه تباع في دكاكين السّمانة العادية، فهي لا تحتاج إلى تقرير طبي.

ويبدو أنها كانت تنفع الكثيرين، لأن أوجاع الرجال كانت متشابهة، ومصدرها واحد، هو آلام عضلات الظهر نتيجة للأعمال الشّاقة.

يُعرف عن اللصقة الأمريكانية، أنه من الصعب جداً فكّها عن الظهر، لأنها تحوي مادة لاصقة قوية جداً، وتحتاج إلى فترة طويلة حتى تتراخى، ولا بدَّ من الألم الشديد عند التخلص منها.

ما الذي فطّنك باللّصقة الأمريكية؟

تذكرتها عندما زارني أحد الأقرباء.

كنّا منسجمين، ونتبادل أطراف الحديث عندما رنّ هاتفه! نظر إليه وقال: هذه الأمريكانية…ثم ردّ مبتسماً، أهلاً أهلاً سيدة أماندا…الحمد لله كل شيء تمام.. شكراً، الحمد لله، الجميع بخير، وأنت كيف حالك؟ وضحك،

وانتهت المكالمة بسرعة!

ما أعرفه أن قريبي هذا بسيط جداً، وهو من الرجال المحافظين، وخطُّ سير حياته معروف، من البيت إلى العمل ومن العمل إلى البيت.

أثار فضولي، فسألته من تكون هذه الأمريكية؟

فقال: هذه تعرّفت عليها في طريقي إلى شرم الشيخ.

كنت أستغل فرصة عيد الأضحى كي أسافر مع الأسرة في سيارتي للنقاهة في شرم الشيخ، المكان ساحر وجميل، والأسعار مقبولة، والمعاملة والخدمات ممتازة، وأشعر هناك براحة كبيرة.

في عيد الأضحى السابق، قرّرت أن لا أنتظر دخول العيد للسفر إلى شرم الشيخ بسيارتي، لأن المعبر يكون مكتظاً، ويقضي الداخلون في السيارات سحابة نهارهم على الحاجز بين إيلات وطابا، الأمر الذي يفسد متعة الرحلة، ولهذا قرّرت التصرّف بذكاء، وخرجت إلى شرم الشيخ قبل العيد بيومين برفقة زوجتي وطفليّ.

كانت الأمور سهلة جداً، لم يكن على معبر طابا سوى بعض السَيارات.

عندما اقتربنا من المعبر، شعرت بأنني انتصرت.

عبرت النقطة الإسرائيلية، ثم مضيت!

قبيل نقطة المعبر المصرية رأيت عجوزاً تحمل كيساً من القماش، كما يبدو فيه بعض متاعها، فتحرّكت نخوتي وقلت لزوجتي ما رأيك أن نحملها معنا؟!

فقالت: لم لا، وهل سنحملها على ظهورنا، خُذها واكسب أجراً!

توقّفتْ، وقلت لها: تفضلي معنا، فشكرتني. هبطتُ من السيارة، ووضعت لها كيسها في الصندوق الخلفي.

ركبتْ معنا وهي تشكر وتحمد بعربيةٍ خفيفة، وتبيّن أنها أمريكية، تعرف بعض الكلمات العربية! وصلنا المعبر المصري، وجرى ختم الأوراق بسرعة، أوراقنا وأوراق ضيفتنا، وبقي هناك أمر صغير، وهو سبب ركوبها معنا.

كنت أظن أن الأمر واضح، فهم رأوها بالعين المجردة راجلة، وبأنني توقفت لمساعدتها، ثم إنها أمريكية وعجوز وتوقعت معاملة أسهل من هذه! صارت الدقائق تمضي ونحن ننتظر، وتأتي سيارات من بعدنا، تختم أوراقها ويستبدلون لها لوحات الترخيص بأخرى مصرية وتمضي! مضى أكثر من ساعة! وهذا أزعجني كثيراً، فسألتهم عن سبب هذا التأخير؟

حينئذ أخبروني بأن الأمريكية تحتاج إلى حراسة خاصة وشرطة مرافقة، والدورية التي سترافقها ستخرج من نقطة ما على طريق الشَّرم، وسيحتاج وصولها إلى ساعتين على الأٌقل.

حسناً، قرّرتُ ترك العجوز الأميركية على الحاجز في ضيافتهم، واعتذرت منها، فهي بإمكانها أن تلحق بأي سيارة قادمة أو أن تستدعي سيّارة أجرة. شكرتني مرة أخرى واعتذرَتْ مني لأنها السبب في تأخيري على المعبر!

إلا أن شرطة المعبر قرّروا بأنه لا يصح تركها، وبما أنها وصلت المعبر في سيارتي ومعيّتي، فهي لن تغادر إلا معي حتى الشّرم…

-يعني عملوا لك لزقة أمريكية..

-بالضبط لزقة أميركانية…

شتمت نفسي والسَّاعة التي قرَّرت فيها مساعدة العجوز، أنا مالي وما لهذا الهمّ…أحياناً طيبة القلب تورّط صاحبها.

السّيارات تصل الحاجز وتمضي بسرعة، إلا أنا، مصلوب مع أبناء أسرتي وضيفتي الكريمة! خطّتي بعدم حرق ساعات على الحاجز تبدّدت. كنت أعرف من مرات سابقة، في أثناء العودة بأن خمسين أو مئة جنيه تسهّل الأمر كثيراً، فهي تتيح تجاوز الدّور الطويل، ولا تفتيش إلا شكلياً وبسرعة، وخلال دقائق تستردّ لوحة السيارة وتمضي برعاية الله، أما إذا لم تدفع «إكرامية»، فقد يطول الأمر، وقد يُجرون للسّيارة عملية تصوير إشعاعي بحجّة التفتيش!

لبسني شيطان، وقرَّرت أن أحصل على الخدمة من دون دفع «إكرامية،» وقلت لنفسي.. يجب أن يعتاد الموظف والشرطي على القيام بواجبه من دون إكراميات، إنّه يمثل دولة محترمة. مضت الدقائق كالمسامير تخترق جسدي ونحن ننتظر والطفلان في السيارة، والزوجة تلوم نفسها وتلومني على فكرة مساعدة العجوز!

قرّرت أن أتفاصح وسألتهم: ما دام أنه يجب أن تكون حراسة للأمريكيين، فلماذا لا تكون دورية جاهزة عند الحاجز لمرافقة من يصل منهم، وليس طلب دورية كي تصل بعد ساعات؟

-ده مش شغلك…انت تسكت خالص..

– يابيه، أنا بس كنت عامل معروف مع العجوز…

-دي إجراءات.. إحنا نعمل اللي علينا، وانت حر، تاخد اللي انت عايزه بعربيّتك.. اتصلت بوكيل السّفر وشكوت له أمري، وما آل إليه وضعي، وفساد خطتي بالسّفر قبيل العيد لتحاشي الزّحام! فقال: اسمعني، قل لهم إنك تريد الشرطة السياحية لتقديم شكوى! كان أحد الشرطيين بالقرب مني وسمع الكلام، وفوراً أكّدت له: أنا عايز الشرطة السياحية دِ الوقت!

تغيّرت ملامحه، وظهرت البشاشة المصرية التي كانت غائبة على وجهه.. يا جماعة.. البيه طيّب وعامل معروف مع الوِلية… زنبه إيه يتأخر كده! ده حرام، معاه عيال بالعربية… حصحص الحقُّ وزهق الباطل. ورغم ذلك، همس لي: أيّ حاجة يا بيه… العيدية.. حلاوة العيد للعيال!

الآن فهمت، كان ممكناً حلها منذ البداية، ولكن هل يعقل أن أدفع «إكرامية» الآن بعد أكثر من ساعتين على الحاجز! هذا كان يجب أن يكون منذ البداية وليس الآن؟

-شوف لك حاجة يا باشا.. ربنا يفتحها، ربّنا يسهّل، كل سنة وانت طيب… باين من وشّك محترم وابن حلال.

مددت يدي إلى جيبي، ودفعت. ولكن هذه المرة بقناعة، أن الإكرامية في بعض الأماكن ليست خياراً، بل ضرورة، وهي جزء من راتب الموظف الذي لا يكفي حتى آخر الشهر.

لم تكن حاجة لشرطة سياحية، ولا لحراسة العجوز، ومضينا وبرفقتي «اللزقة الأمريكية» حتى وصلنا الشّرم.

رأيناها هناك أكثر من مرة، وصارت تهاتفني بين حين وآخر، لتطمئن بأن كل شيء على ما يرام، خصوصاً بعد وقوع أحداث أمنية في البلاد والمنطقة.. فأرد طبعاً بأن كل شيء على ما يرام…







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي