«دلشاد» سردية عُمان الرّوائية

2022-05-18

واسيني الأعرج

تذكرت فجأة وأنا أقرأ رواية «دلشاد» للكاتبة العمانية بشرى خلفان، كتاباً فرنسياً لكاتب اجتماعي كبير هو بيير بورديو، سمّاه «بؤس العالم la misère du monde «ودرس فيه ليس الفقر فقط، لكن الآليات والنظم الخفية التي تجعل الحياة أمراً لا يطاق. وما الفقر عبر العالم وجشع البشرية واللاعدالة والقسوة التي جبلت عليها، إلا الوجه المرئي لصيرورة مغلفة بالقوانين والضوابط أدت إلى ذلك، وهي الأهم للتسلح بالفهم. التاريخ البشري يذكرنا بما ننساه فجأة، أين ذهبت الحضارات السابقة، الفرعونية، البابلية، الفارسية، اليونانية، الرومانية، الإسلامية، وغيرها؟ لم تعد اليوم إلا علامات ضامرة تحت التراب، وأمكنة بأصداء تنتظر كاتباً أو فناناً، ليوقظها من غفوتها ويمنحها حياة شبيهة عبر الإبداع والفن. كل هذه الحضارات اندثرت وأصبحت مجرد لغة نتداولها بالمزيد من الحسرة أو الفرح.

رواية بشرى خلفان تندرج ضمن هذا الأفق الصعب والقاسي الذي يتحكم في المصائر البشرية ويقودها نحو المفاوز أو المهالك. بين قسوة التاريخ والاستعمارات، والمجتمع المتجاذب بين الحب والكراهية، وشيوع الأوبئة والمجاعات، تشيد بشرى سرديتها بكل تفاصيلها التي تعيد تركيبها وتضع أمام أعيننا «مسقط» في ظل عراكها في حرب ضروس للبقاء.

صدرت رواية «دلشاد/ سيرة الجوع والشبع» عن دار «تكوين» في أول طبعة لها، بالكويت، واستقبلت نقدياً بما يليق بها، بشكل إيجابي جعلها تتبوأ مرتبة مرموقة، تستحقها بامتياز. دخولها في قائمتي البوكر الطويلة والقصيرة، منحها حظاً أوفر للقراءة والتداول في عالم عربي يجيش بالروايات (الآلاف) يموت أغلبها لحظة خروجها إلى الأسواق. قد يكون في ذلك بعض الظلم، لكنه منطق الأدب والفن أيضاً، على من يكتب أن يقبل به. شكسبير انتظر قرنين من الزمن لينال اعترافاً مبهراً بمنجزه. فان غوخ مات فقيراً، ولم يبع في حياته إلا لوحة واحدة. اليوم تباع لوحاته بالملايين من الدولارات. الجوائز، في غياب مؤسسة نقدية عربية فعالة وعالمة بقدراتها الكبيرة على التأثير، أصبحت تقوم بهذا الدور؛ فهي من يعطي الفرصة لكثير من النصوص لكي تحتل المشهد وتقود نحوها القراء، وهو أمر ليس مرفوضاً، مهما كان تضارب الآراء حول الأعمال التي تفرزها الجوائز العالمية والعربية منها تحديداً. النص الروائي العربي يولد داخل الفراغ والعزلة، بعد أن قضى فيه الكاتب سنوات من العمل والسّهر (أتحدث عن الأعمال التي يتوفر فيها حد معين من الجهد الإبداعي الحقيقي)، فلا مؤسسة تستقبله وتحمله وتقربه من القارئ لكي يتعرف عليه. وكأن نقادنا أيضاً لا يقرأون.

رواية بشرى اخترقت هذه الأدغال من الصعوبات واختطت لها طريقاً أوصلها إلى القائمة القصيرة في البوكر، وهو أمر لا يمكن الاستهانة به، فهو يضعها مباشرة في مرمى البصر بالنسبة للمقروئية.

اختارت بشرى عُمان، تحديداً مسقط، مسرحاً لوقائع روايتها «دلشاد»، كما انتقت مادتها التاريخية بما يخدم مشروعها الروائي؛ أي أدق اللحظات التي مرت بها مسقط وهي تقاوم إفناء الأوبئة والمجاعات في نهايات القارن الناسع عشر، فرصدت بذلك مرحلة تاريخية كانت السلطنة مسرحاً لها، تاريخاً وتخييلًا، حيث حصد وباء الكوليرا الكثير من الأرواح. بغض عن مدى صدقية المادة التاريخية من عدمها، لا يمكن محاسبة الكاتبة من منطق الوفاء للتاريخ، لكن من موقع كيف استعملت الكاتبة الروائية هذه المادة لبناء عمران روائي ولإنجاز سرديتها الخاصة، ربما كان ذلك أهم ما ميز هذا النص الساحر. على مدار 500 صفحة، اجتهدت الرواية في الغوص في تفاصيل الحياة العمانية الصعبة في مساحة سردية واسعة منحتها الكاتبة لذاكرة القسوة الجوع. وقد تمكنت من نسج عالم روائي مهم في القرن التاسع عشر، عصر الاستعمارات والحروب، والمنافسات على البحار بين بريطانيا العظمى وفرنسا والبرتغال وغيرها من الدول الغازية والمقاومات التي نشأت على أنقاض ذلك. استعادت الروائية الكثير من الصراعات الداخلية على الحكم في عهد السلطان تركي بن سعيد، التي صنعت جزءاً من التاريخ الوطني لعُمان. فرصدت الكاتبة، من خلال الكثير من التفاصيل، كيف نشأت المدن وتحديداً مسقط، التي انتقلت من مجرد مساحة للصراعات القبلية والأمراض والمجاعات التي سرقت من الإنسان روحه وكرامته لدرجة الإقدام على التخلي عن أبنائه، إلى حاضرة ذات محمول تاريخي كبير. «دلشاد» مسار للمأساة أكثر من كونه مجرد شخصية روائية. انسحابه جزئياً من السرد وزواجه من نورجيهان بائعة الحلو التي ماتت وهي تمنح الحياة لابنتها الوحيدة مريم، التي ستعيش في مدارات لا تبتعد عن مأساة والدها وكأن العالم يتكرر أو ما يسميه نيتشه «العود الأبدي».

لتصل الرواية إلى أقاصي المأساة التي خلفت وراءها رماداً وأحزاناً متكررة. تجمعت حول دلشاد ومريم تراجيديا الحياة نفسها، فقد ولد بلا أب معروف، داخل العزلة والأوبئة والمجاعات، فتتخلى عنه أمه قبل أن تتبناه ما حليمة البلوشية، التي يصبح جزءاً من كيانها العائلي، بعد أن تخلى عنها زوجها عبد الرسول بسبب حلم رأى فيه أمه تبكي، وبعد فقدها ابنيها بسبب مرض الكوليرا. تقيم في خيمة مع أبنائها على حافة بحر مسقط الذي جاءته صغيرة في عهد السلطان تركي، فينهار جزء آخر من أحلامه الكبيرة. يعيش في كنف ما حليمة وأولادها: عيسى الحمّال، حسين جامع القمامة، ونورية التي أحبها بسبب المرافقة الدائمة لها وهي توزع الحليب على العائلات الثرية في مسقط، قبل أن يكتشف أن نور أخته في الرضاعة. «دلشاد» طفل تخترقه مشكلات معقدة أخرى، منها الهوية، لكن بشكل موارب، فهو العربي الذي يعيش داخل عائلة بلوشية منحته الاستمرار والحياة. لكن الكوليرا الزاحفة من الهند عمياء، لا تختار الهويات. أكلت جزءاً مهماً من البلاد، أخذت في طريقها جزءاً من تلك العائلة البلوشية، ابني ما حليمة: نورية وحسين، ووالدتها ما زليخة العمياء، التي كانت وراء تسمية «دلشاد» تبركاً به كمصدر للسعادة، وهو الذي كادت تأخذه الكوليرا بسبب ضعف سحنته، على العكس من أخيه البلوشي بالرضاعة، عيسى، الذي كان قوي البنية مثل بقية البلوشيين الذين عبروا البحر لتنتهي بهم المقامات كعساكر يخدمون في الجيوش السلطانية. ولم يكن مصير مريم أفضل من مصير والدها دلشاد.

بعد موت والدتها، أرضعتها الكثير من النساء البلوشيات والعربيات. فكبرت بدورها في شرطية الفاقة والبؤس. وعندما يصاب والدها بالرمض، تقوم بمتابعته صحياً وخدمته وتذكيره بالمصائر القاسية من خلال الأغاني التي حفظتها من مرضعاتها. ثم عهد بها إلى أسرة تجارية غنية من «بيت لوماه» لتجد نفسها في خدمة سيدة شديدة القسوة. وكأن مصيرها أخذ بشكل نهائي. وعمرها ثلاث عشرة سنة، تكتشف أنها مصدر منافسة بين سيدتها فردوس وأخيها عبد اللطيف، الذي راكم ثروته بالتعامل مع الإنجليز بينما والده كان يبيع السلاح للثوار لمقاومة الاحتلال الإنجليزي، وكل واحد يريدها له. حتى عندما شفي دلشاد من مرض التراخوما وأراد أن يستعيد مريم، لم يتمكن من ذلك. قبل أن يركب سفينة متوجهة إلى الهند لنسيان مأساته، وهناك يعيش مصادفة تنتهي به خادماً للشيخ «مبارك بن عبد الله» الذي كان مسافراً رفقة ابنه للعلاج، فيصبح خادماً له وقريباً منه.

من خلال مادة تاريخية حية منتقاة بدقة، وقصص شعبي من الموروث العماني الغني، والمتنوع، وبنية سردية حكائية سهلة التلقي، منحتنا بشرى خلفان نصاً مهماً يستحق القراءة والتأمل في مصائرنا الوجودية التاريخية والهوياتية: عربي/بلوشي، ورواية عمانية وإنسانية تستحق أن نطلق عليها: «سردية عُمان الشعرية».








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي