أين قوارب النجاة؟

2022-05-01

نصر حامد أبو زيد

 د. ابتهال الخطيب

في جلسة صديقات الليلة السابقة لكتابة هذا المقال، دار الحديث حول اللغة الأصلية المكتوب بها القرآن، حيث تحدثت إحداهن عن السيريانية كإحدى اللغات التي لربما كُتب بها القرآن، وهي نظرية تأريخية لكتابة القرآن موضع الكثير من الدراسات والأبحاث. تعتبر هذه النظرية استشكالية جداً في المبحث الإسلامي العقائدي نظراً إلى أن عربية القرآن هي عمود أساسي من أعمدة تكوينه، إلا أن وجود الكثير من الكلمات ذات الأصول السيريانية في النص القرآني يجعل هذه الدراسة مستحقة ومهمة. كل هذا النقاش موضوع جانباً، ما كان لافتاً للنظر هي الطريقة التي أُغلق بها الحوار حين قالت إحداهن للمتحدثة: لا يجوز أن تقولي هذا الكلام، هناك خطوط حمر لا يمكن تعديها، لماذا تريدين أن تشككينا في ديننا؟

أٌغلق عند هذه النقطة باب النقاش مباشرة وفُتح باب التساؤل المتكرر في نفسي: لماذا تتسبب كل مراجعة تاريخية أو قراءة زمنية تحققية أو دراسة لغوية وفكرية بالتشكيك بالدين؟ هل يعتقد المسلمون أن التاريخ واحد موحد وأن النظريات حول الأحداث الزمنية، ترتيباً وربطاً وتفسيراً، كلها متفقة، وعليه يرون كل محاولة لإعادة قراءة وفهم هي محاولة تآمرية؟ أليست طبيعة الحياة الإنسانية أن تتعدد الرؤى والتفسيرات وحتى المنظورات الزمنية التاريخية؟ وحتى لو كان التشكك إحدى النتائج أو أحد «الأعراض الجانبية» لدواء البحث والتفكير، لماذا هو ملعون ومستنكر لهذه الدرجة؟ أليس الشك طريق اليقين؟ ألا يُعَبِّد الشك طريق الحق؟

تمتلئ حياتنا، الإجتماعية والمدنية والقانونية، بالمحاذير التهديدية، بالعوائق التشريعية التي تجعل التساؤل حول أي حدث أو «حقيقة» مصكوكة تراثياً مغامرة خطرة قد تكون ذات عواقب لا تحمد عقباها. في تجربتنا في الكويت وقعت أحداث عدة تشير للإشكالية العميقة لقانون «ازدراء الأديان» الذي ذهب له ضحايا كثر، أحد أقدمهم هو الدكتور أحمد البغدادي الذي حكم عليه مرة بالسجن شهراً وأخرى بالسجن سنة في قضايا رأي فلسفية دينية. هذا ويُستخدم هذا القانون لإلجام حتى أقل الناس تأثيراً وأخفهم حديثاً، ففي تجربة شخصية معي، وبعد مقابلة تلفزيونية تحدثت فيها عن خطورة تدريس عقيدة دينية موحدة في المدارس الحكومية، خصوصاً في الدول المدنية المتعددة الأديان والطوائف، تم تهديدي مباشرة وعبر تويتر برفع قضايا ازدراء أديان بمعية رأيي هذا. طبعاً، يتواتر هذا الوضع في دول عربية وإسلامية عدة، لربما أشهر صوره يتجلى فيما نال د. نصر حامد أبو زيد من محاكمات وتكفير وصولاً لحد الحكم بالتفريق بينه وبين زوجته، وما طال سيد القمني، ومؤخراً سعيد ناشيد، وغيرهم استخداماً لقوانين ازدراء الأديان لتلجيم الأفواه وإغلاق باب التفكير والبحث العلمي والتحليل التاريخي على مشهد القرن السابع والفهم السائد التقليدي للناس حول ظروفه وأحداثه.

لقد شكل حوارنا في مجموعتنا الصغيرة نموذجاً مصغراً للحوارات الكبرى، أو بالأحرى لعدمها، والتي تدور، أو بالأحرى لا تدور، في عالمنا العربي الإسلامي. يعتقد الشارع العام الإسلامي بعمومه، وحسب توجهه، برواية تاريخية موحدة سنية كانت أم شيعية، مع تضارب هاتين الروايتين الرئيسيتين، حيث تحكي الرواية السنية قصة انتصارات هائلة وماض عظيم فخم، فيما تحكي الرواية الشيعية قصة مظالم حارقة وماض مرهق كظيم. المهم أن يجمع الشارع السني على روايته كما يجمع الشارع الشيعي على روايته، ومن يحاول أن يقرأ ما بين الروايتين، من يحاول أن يراجع التاريخ بمجمله أو أن يراجع الأحداث السياسية إبان وبعد وفاة الرسول، من يحاول أو يواجه حقيقة الأوضاع البشرية في ذلك التاريخ ويضعها في قالبها الزمني ويتعامل مع أفرادها على أنهم بشر لعبوا أدواراً سياسية كما دينية، حينها يضع هذا «المحاول» نفسه مباشرة على خط ازدراء الأديان، معرضاً إياها ليس فقط لسخط الشارع العام الذي يعتقد، تلقيناً منذ الصغر، باكتمال القراءة التاريخية الإسلامية وبمثالية السرديات ونقاء كل القصص والروايات، وإنما كذلك لسخط القوانين الهجينة «المدن-دينية»، تلك التي تعاقب فعلاً مدنياً يعتبر من أولويات حقوق الإنسان في المجتمعات الحديثة، كفعل إبداء رأي أو نشر كلمة مكتوبة أو التصريح بفكرة فلسفية، من خلال تشريع وتقنين دينيين.

في تجمعنا الصغير هددت إحداهن بقية الصديقات تبطيناً بأن هناك خطوطاً حمراً تم تجاوزها، بأن هناك فكرة لا يجوز طرحها، منطلقة بجرأة آمرة بتكميم الأفواه، جرأة مستمدة من جرأة مجتمع بأكمله على حق إنساني أصيل. متأكدة هذه السيدة من قوة موقفها، متيقنة من تعاطف الجالسات معها ومن مساندة القانون لمطلبها. وهكذا انشطرنا لطبقات قوى في تجمعنا الصداقاتي الصغير، وهكذا ننشطر كل يوم ليستقوي فرد على فرد ويعلو صوت على صوت في مجتمعنا الكبير. لم نتعد بعدُ هرمية التنظيم البشري، وعمودية العلاقة بين القوي والضعيف، ما زلنا بعيدين عن أفقية علاقاتية يفترض أن تؤسس لها إنسانيتنا واستحقاقنا للمساواة المبنية على هذه الإنسانية. ولسنا بعدُ قادرين على رؤية الآراء بعضها بجانب بعض، لا نستطيع أن نفهمها سوى فوق بعضها البعض، ليكون هناك صوت واحد أعلى في فضائنا العمودي المخنوق. ألسنا بعد نعشق مَثَل أن السفينة ذات الربانين تغرق؟ ها نحن بسفينة ذات ربان واحد وصوت واحد ورأي واحد وتاريخ واحد، وها هي غارقة «لشوشتها». ما المنقذ الحقيقي حين تهب العواصف، السفينة الضخمة أم قوارب النجاة المتعددة الصغيرة؟








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي