علي عبد الرّازق.. محنة العقل وتهديم اليقين؟

2022-04-14

واسيني الأعرج

لا شكّ في أنّ التنوير ليس حالة طارئة، لكنه ثبات ومواجهة ثقافية وحضارية للظلم والتخلف بالوسيط العقلي بوصفه الآلة الحية والحاسمة في التطور البشري. كلما وُضِع هذا الوسيط داخل المنع، تحول المنع إلى تابوت حقيقي للعقل. تأمل بسيط للحظات الردة الثقافية العربية يؤكد لنا بما لا يدع مجالاً للشك أن تنويرنا لم يترسخ لدرجة أن يصبح الوسيلة الحقيقية والوحيدة لإعادة النظر في نظمنا وتخطيها إيجابياً. هناك حتماً أسباب مضمرة لهذا التراجع الذي يقودنا نحو مقابر النسيان أكثر مما يدفع المجتمعات العربية نحو التقدم والتنور الفعلي. هل هو الخوف مثلاً من مختلف المؤسسات الاجتماعية وسلطتها بما فيها المؤسسة الدينية؟ لا يكفي هذا للإجابة عن السؤال. فقد قاوم قاسم أمين مؤسسات ضخمة دينية واجتماعية وسياسية في قضية تحرير المرأة، بل أصبح دالتها الرمزية الحقيقية، قبل أن يتنكر لأفكاره كلها فيما يخص المرأة تحت وابل النقد، وبدأ يبحث عن مسلك مقبول يبعده عن دائرة التهم. علي عبد الرازق، على الرغم من كل عقلانيته الحية، لم يصل فكره ليصبح قوة تغييرية في الذهنيات. بعد كل سجال، يتقهقر العقل ويحل محله ما هو متداول وجاهز. هل هو الخلل البنيوي الذي نبت فيه المتنورون؟ لنكتف بمثال واحد ونتأمل مآلاته التي لم تكن أمراً سهلاً بالنسبة لهذه العقلانية المفترضة. علي حسن أحمد عبد الرازق، وهو من مواليد المينيا (1888-1967) كان ضحية عقلانيته على الرغم من أنه ابن الأزهر الذي درس فيه وتعلم في مناخاته الدينية والعلمية قبل أن يحصل على شهادة العالمية منه في سنة 1912. أدرك في وقت مبكر أن الثقافة التي تلقاها لم تكن كافية لمواجهة الغطرسة الحداثية الغربية، وكان عليه أن يفتح عينيه على العالم الجديد المتقدم. لهذا التحق بجامعة أوكسفورد بعد وقت قصير قضاه في باريس برفقة أخيه مصطفى. احتل مناصب مهمة كان يمكن أن تدفعه إلى الصمت والقبول بالرأي المهيمن كما يفعل كثير من المثقفين اليوم. فقد كان عضواً في مجلس النواب، وعضواً في المجمع اللغوي، وعين وزيراً للأوقاف بهدف إصلاح المؤسسة الدينية وإخراجها من خطاباتها التقليدية، قبل أن ينجز كتابه الذي أصبح علامة ثقافية حقيقية باتجاه تجديد الخطاب الديني، ولعنة ضده أيضاً: «الإسلام وأصول الحكم» ساجل فيه حول فكرة الخلافة ونظام الحكم في الإسلام. أعاد النظر في فكرة الخلافة وحولها إلى مجرد اجتهاد بشري يمكن التخلي عنه وإيجاد البدائل الأكثر فاعلية حسب الزمن والفترة والحاجة العقلية. فكان أن حُكِم عليه في فترة الملك فؤاد الذي كان يحلم بمنصب الخلافة، بتجريده من كل مناصبه السياسية والعلمية، ومنها شهادة العالمية الأزهرية. كان من النخبة الأزهرية العقلانية الليبيرالية المتحلقة حول جريدة «السفور» التي كانت تدعو إلى التجديد الديني، مع إدخال عنصر العقل في كل تأملاتها ومناقشة ما كان يبدو يقيناً ولم يكن كذلك. لم تجد هذه الرؤية المشترك الفعلي لتصبح تياراً حقيقياً يزن بثقل أمام المجتمع الديني السياسي المنغلق في مصر. حتى الحزب الديمقراطي 1919 (الاشتراكي) الذي أسسته مجموعة من الشباب ليصبح وسيلتها النضالية الديمقراطية، لم يصمد أمام الخلافات الداخلية والرؤى المتناقضة. يقول شفيق غربال في مجلة اللغة العربية (ص: 218) واصفاً الحالة الداخلية للمجموعة المؤسسة: «نشأ الحزب في جو من النشاط السياسي في إطار ثورة 1919 وحاول ميرهم أن يتجه بالحزب إلى الاشتراكية، بينما حاول هيكل أن يتجه به نحو الفردية، وكاد الخلاف ينهى الحزب لولا تدخل الشيخ مصطفى عبد الرازق للتوفيق بين الرأيين». في هذا المناخ، ظهر كتاب الشيخ علي عبد الرازق: «الإسلام وأصول الحكم». فقد افتتح كتابة الإشكالي متسائلاً عن السند القرآني لفكرة الخلافة، وحتى السنة. ليصل إلى النتيجة الباردة والصارمة أنه لا القرآن ولا السنة تعرضا لمسألة الخلافة. فهي ليست حكماً من أحكام الدين ولا يوجد ما يسندها إطلاقاً، لتصبح مجرد فعل اجتهادي كغيرها من الاجتهادات الليبيرالية أو الديمقراطية أو الاشتراكية التي اقترحت أنماطاً من الحكم. وصل به الأمر إلى إعادة النظر كلياً في مفهومها، بل وحملها وزر الكثير من الإخفاقات: «ليس بنا حاجة إلى تلك الخلافة لأمور ديننا ولا لأمور دنيانا». ولا شأن للدين بالأمور الدنيوية كالحكم، والإدارة بمعناها المعاصر، والقضاء، كلها أفعال بشرية، يتحملون مسؤوليتها أمام المجتمع الذي وضعهم في تلك المناصب لجدارتهم وليس لتفقههم الديني. ويذهب بعيداً في نقد الخلافة كنظام حكم، وكيف استولى عليه الحكام الطغاة بعد الفترة الرسولية والخلافة، وحولوه إلى نظام للسيطرة وتبريرها بما هو ديني: «وإذا كان في الحياة الدنيا شيء يدفع المرء إلى الاستبداد والظلم، ويسهل عليه العدوان والبغي، فذلك هو مقام الخلافة» (الإسلام وأصول الحكم. ص: 28). وفي هذا السياق، يؤكد أن الرسول الأكرم لم يعين بعده خليفة لو كان في الأمر وجوب لفعل ذلك، لكنه ترك الأمر شورى بين المسلمين. حتى الخلفاء كانت التعيينات سياسية، وفاقيّة، دنيوية، وليست دينية، وندرك جيداً ما دار في سقيفة قس ابن ساعدة؟ ولا علاقة للخلافة بالدولة الدينية. ويشكل هذا الكتاب أولى اللحظات التاريخية التي أصبح فيها تأمل الحكم مسألة جوهرية خارج الأغلفة الدينية التي كان يتخفى وراءها عتاة الديكتاتوريين. الهدف فك الارتباط بين اللاهوت والسلطة. ولأنه أعاد النظر في نظام الحكم، فقد سخرت ضده كل الآلات التكفيرية والتدميرية. الغريب أن سعد زغلول الليبيرالي والمناهض لتعيين الملك فؤاد خليفة للمسلمين، وقف ضد كتاب علي عبد الرازق، متهماً صاحبه بالجهل الديني.

خلق الكتاب بلبلة امتدت من القصر حتى الأزهر، حتى قادة المعارضة السياسية، وأصبح المشهد واضحاً: كيف يشذ شخص مثقف ومتدين وأزهري عن الجماعة؟ وحورب بلا رحمة. وتبين في النهاية أن العقل ما يزال مرتكناً في الظلمة، ليس لأن رأي الشيخ علي عبد الرازق كان راديكالياً، لكن لكونه حرم من حق التفكير الحر في مجتمع كان يبني ديمقراطية مبتورة وليبيرالية لا تتخطى عتبات رضى المؤسسات الاجتماعية والدينية والتاريخية. وبدل مساجلته، حرم من حقه في التأمل. حتى رشيد رضا المصلح المعروف، وقف معادياً له، وليس مختلفاً، وحرك الأزهر ضد الشيخ علي عبد الرازق. فقد صرح بموقفه الواضح في جريدة المنار في سنة 1925. وظهرت كتب ومؤلفات معادية للشيخ وليس للكتاب فقط، ووصلت الهجومات الظلامية إلى درجة التكفير، واستدعته مؤسسة الأزهر من خلال هيئة كبار علمائها؟ ولم تسمع إليه وإلى منطقه، لكن إلى المؤسسات الهائجة، فعزلته وسحبت منه شهادة العالمية، وطردته مع حرمانه من أي وظيفة دينية، ولم تنس أن تشكر «خليفة المسلمين» الملك فؤاد على غيرته على الدين من الملحدين والعابثين. ورفع القرار إلى وزير العادل عبد العزيز فهمي، للتصديق عليه، لكنه رفض بقوة المثقف الحقيقي: «استحضرت هذا الكتاب وقرأته مرة وأخرى، فلم أجد فيه أدنى فكرة يؤاخذ عليها مؤلفه. بل على العكس، وجدته يشيد بالإسلام ونبي الإسلام ويقدس النبي تقديساً تاماً، ويشير إلى أن النبوة هي وحي من عند الله، والوحي لا خلافة فيه، ومن ثم ثقل على ذمتي أن أنفذ هذا الحكم الذي هو ذاته باطل لصدوره من هيئة غير مختصة بالقضاء» وانتهى الأمر بالوزير إلى الاستقالة. السؤال اليوم: أين ذهب كل هذا السجال وهذا النضال؟ أين اختفى هذا الفكر العقلاني السجالي؟ لماذا هذا التقهقر المستمر والنزول نحو قاع القاع، والتخلي عن آلة التفكير والنقد؟








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي