ظلال الميراث السّردي العربي في منجز سيرفانتس

2022-04-09

واسيني الأعرج

يكفي اليوم أن نلقي نظرة خاطفة على كتابات سيرفانتس التي أنجزها بعد تجربة الخمس سنوات (1575-1580) رهينة في الجزائر لندرك الأثر الكبير الذي خلفته فيه الكتابات التي يكون قد اطلع عليها مباشرة من خلال الترجمات الإسبانية أو في الجزائر إذ كانت له حظوة خاصة عند حاكم الجزائر حسن باشا (حسن فينيزيانو). كان له الحق في الاطلاع على الوثائق العامة والكتب المتوفرة في الديوان. فقد وضع حسن باشا برفقته مترجماً خاصاً يساعده عند الحاجة، ويعلمه في الوقت نفسه اللغة العربية.

تظهر تأثيرات السرديات العربية السماعية (دون كيشوت تفتتح كأننا في حلقة سوق شعبية جزائرية مع المداح أو القوال) أو المدونة، في أعمال سيرفانتس بشكل واضح. أولاً في روايته العالمية الكبيرة التي اخترقت القرون والأزمنة واستمرت بقوة في الذاكرة الجمعية الإنسانية «دون كيشوت دي لامانشا» (دون كيشوت) التي تدور أحداثها، في جزء منها، في الجزائر العاصمة، في نهايات القرن السادس عشر. أفرد ثلاثة فصول كاملة للجزائر بعنوان كبير: الرهينة يقدم من خلالها صورة بانورامية جزائر ذلك الوقت. في مجموعته «قصص نموذجية» يذكر تفاصيل كثيرة من الحياة في العاصمة اجتماعياً وثقافياً والمعتقد الديني. على الرغم من اعتقاله، فقد كان مسموحاً له ولبقية الرهائن أن يؤدوا صلواتهم دون ضغط أو تهديد. هذا العامل يكون قد ساهم في تغييره عميقاً وزرع فيه الكثير من التسامح. فقد أحس بهذا التسامح الديني حتى وهو داخل السرداب لا يرى نوراً ولا شمساً ولا سماء. ونلاحظ بشكل واضح التحول التدريجي المتسارع في وعيه عندما تعرف على حياة المسلمين خارج أحقاد الحروب وضغائنها، ولكن في الحياة اليومية. وسمع أصوات الناس واحتجاجاتهم ضد سياسة الإذلال والاحتقار التي كان يمارسها العثمانيون ضد السكان الأصليين من عرب وأمازيغ. ثم نصه المسرحي: الحياة في الجزائر، الذي لم يخرج عن هذا الإطار بحيث يضع أمامنا أنماط المعيشة أحياناً بجدية وصرامة، وفي أحيان أخرى بسخرية. نتعرف على النظام الاجتماعي، والتسيير الإداري، والمخدرات التي تغرق الناس في هوامش الحياة وتمنعهم من أي تفكير.

ونظراً لاختلاطه السهل بالسكان الأصليين، فقد تعلم اللهجة اليومية القريبة جداً من اللغة العربية، لكن كتابه الأكثر قسوة من حيث التصوير، هو يومياته التي أعطاها تسمية: سجون الجزائر، وهي تجسد أيامه الأولى في الحجز، قبل إحالته إلى الحاكم حسن باشا. وضعه تغير جذرياً، إذ أصبح يعيش في قصر الباشا.

هذه المؤثرات الثقافية ستصل إلى درجة قصوى وتتحكم في بنية نصوصه. لا نحتاج إلى جهد خارق لنلمس تأثيرات المجتمع العربي الإسلامي في نصوصه، بل ونلمس بسهولة ظلال مرويات ألف ليلة وليلة، وحي بن يقضان التي كانت قد ترجمت وقتها إلى لغات كثيرة من بينها الإسبانية القديمة. حتى الطريقة التي يتم بها افتتاح النصوص في العتبات بوضع فكرة أساسية في سطر أو سطرين، تحت عنوان الفصل، تصف الأحداث الآتية لشد انتباه القارئ، وهي لعبة أتقنتها السرديات العربية لشد انتباه القارئ وغوايته، نجدها واضحة في النصوص القديمة ومنها ألف ليلة وليلة. برع العرب القدامى في هذا النظام العلائقي مع القارئ الذي يحتاج إلى دراسة مستقلة، وتأثرت به الآداب الأوروبية، في القرون الوسطى بشكل واضح، كما فعل دانتي أليغري في الكوميديا الإلهية، إذ من الصعب محو ظلال رسالة الغفران للمعري وتقاليد الكتابة العربية. يحتاج الأمر إلى الكثير من العمى لكيلا لا ينتبه لها المختصون. التراكيب الجُملية العربية نفسها تبدو واضحة جداً في نصوص سيرفانتس، ويمكن حصر الكثير منها التي وردت في النص. حتى استعاراته العربية تتقاطع مع الثقافة العربية القديمة. الكثير من المفردات العربية تؤثث أغلب نصوصه الروائية والقصصية والمسرحية.

لا يمكن أن نفهم مثلاً روايته المرجعية دون العودة إلى سنوات وجوده كرهينة في الجزائر. مثلاً، من أين جاءته فكرة الرواية وافتراض (كما يعلن عن ذلك في مطلع دون كيشوت) أنها في الأصل مخطوطة لشاب موريسكي هو سيد أحمد بن أنجلي، وأنه عندما رأى مخطوطته لم يستطع تفاديها حتى اشتراها من صاحبها. فتصبح مخطوطة: دون كيشوت دي لا مانشا، هي الرواية التي تصف أحداث الفارس الذي وجد نفسه في زمن ليس له ولا يفهمه، من خلال سلسلة من المغامرات المتلاحقة. القاموس اللغوي للرواية نفسها جزء كبير منه عربي، ويمكن إحصاؤه بسهولة وهو يبين درجة المؤثرات الكبيرة التي خلفها المكان فيه.

لكن أكبر تأثير يتعلق ببنية الرواية ونماذجها الساخرة المختارة مثل: دون كيشوت، وتابعه سانشو دي بانصا، الذي كان حكيماً أكثر من سيده، له مصادر عديدة ومنها «مقامات» الحريري التي كانت شائعة ودخلت إلى الأندلس وترجمت، وكانت تُحكى أيضاً في شكل مسامرات. عندما نتأمل نظام المقامات التي تعتمد الارتحال، والرفقة مع شخص، وحكي المغامرات من خلال مفارقات الحياة، نتذكر كم أن العناصر القابلة للتحليل والمتابعة النقدية كثيرة. لا نعرف اليوم القنوات التي مرت عبرها مقامات بديع الزمان الهمذاني إلى أن وصلت إلى سيرفانتس، لكننا على شبه يقين أنه توصل إليها واطلع عليها إما عن طريق مكتبة حاكم الجزائر التي كانت تحوي على الكثير من الذخائر، أو في إسبانيا نفسها. تفصل بينه وبين أبي الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد، المعروف ببديع الزمان الهمذاني (969-1007) ستة قرون. واحد من أهم كُتّاب المفارقة والسخرية وخلق الشخصيات الوهمية التي كان يستعملها كأقنعة يمرر من خلالها كل خطاباته النقدية لتفادي رقابة المؤسسة الاجتماعية – الدينية، هو ما فعله سيرفانتس مع دون كيشوت، في نقده لاضطهاد مهجَّري الأندلس، وممارسات محاكم التفتيش المقدس.

يتبين لنا جزء من التشابه في الحياتين؛ فقد عانى سيرفانتس الأمرين وبنفس الطريقة، قبل أن يستقر ويجد الرعاية عند الكونت والمركيز والفيكونت والحاكم الذين منحوه الاستقرار والراحة المادية. هذا التقاطع في الحياة واختبار المجتمع بمختلف تحولاته.

قصص المقامات هي قصص مغامرات فكاهية ساخرة، أحياناً سخرية مرة تبنى على المفارقة الحقيقية والطريفة. تأتي المقامات كما يعرف الجميع في شكل قصص وحكايات يرويها بطل وهمي هو أبو الفتح الإسكندري، عرف بذكائه ومغامراته التي لا تتوقف، وحسن التخلص من المآزق التي تعترض طريقه. فوق هذا كله، فأبو الفتح الإسكندري شخصية تهكمية فكاهية. وتروي قصصه ومقالبه شخصية وهمية ثانية هي عيسى بن هشام. تكاد هذه الموضوعات وطرائق تقديمها تتماهى مع ما كتبه سيرفانتس. فقد جعل من معاناته مع البشر ومحيط الضغائن وسيلته للمقاومة، فاجترح من ثقافة عصره (بما فيها الثقافة العربية) وسيلته التعبيرية. هو أيضاً اختار شخصية وهمية للقيام بالفعل السردي، من خلال سلسلة من المغامرات المتواترة لتشكل في النهاية كياناً نصياً واحداً. دون كيشوت دي لامنشا، لا أحد يحاسب مجنوناً مثل دون كيشوت. ومن يتجرأ أن يحاسب أبو الفتح الإسكندري وهو مجرد شخصية وهمية، ينقل مغامراتها ليس بديع الزمان، لكن عيسى بن هشام الوهمي أيضاً. أحمد بن أنجلي في رواية دون كيشوت، لا وجود له إلا في الرواية. تمر عبرهم (الكاتبان وشخصياتهما) ثقافة العصر وصراعاته، من خلال أفق ساخر ناقد الكوميديا السوداء.

ربما احتاج الأمر إلى تفصيل أكثر وإلى بحث أعمق.








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي