يوم المسرح: كوابيس الزمن ويقظة الملحمة

2022-04-05

صبحي حديدي

الهيئة الدولية للمسرح، المنظمة العالمية للفنون الأدائية، وقع اختيارها هذه السنة على مخرج المسرح والأوبرا الأمريكي بيتر سيلرز لكتابة الكلمة السنوية المعتادة التي تحتفي باليوم العالمي للمسرح، 27 آذار (مارس) من كلّ عام؛ وسبق للمصرية الراحلة فتحية العسال أن كتبتها سنة 2004؛ وقبلها السوري الراحل سعد الله ونوس، سنة 1996؛ وأمّا الأوّل فكان الفرنسي جان كوكتو، 1962؛ والسنة الماضية،2021، تولت المهمة البريطانية هيلين ميرين.

دعوة سيلرز اليوم إنما تكرّم مسيرة الشموع الدمشقية، مثلما تسبغ شرعية إضافية على نقد ما بعد استعماري ينبش عميقاً في مظاهر مسرحية قد تبدأ من طقوس عاشوراء وتمرّ بأمثال هوميروس وشكسبير ولا تنتهي البتة عند مييرخولد وصموئيل بيكيت

ولم يكن غريباً أن يبدأ سيلرز كلمته بالتوقف عند حدث الاجتياح الروسي في أوكرانيا، معتبراً (حسب الترجمة العربية الرسمية على موقع الهيئة) أنّ «عالمنا اليوم معلّق بالساعة وبالدقيقة على موجز الأخبار اليومية وكأنه يتمّ تغذيتنا بالتنقيط»؛ وإنْ لاح جديداً، وربما مستغرَباً في يقين هذه السطور، أنه تالياً دعا المبدعين إلى الدخول في منظور خاصّ لـ»هذا الزمن الملحمي والتغيير الملحمي والوعي الملحمي والانعكاس الملحمي والرؤية الملحمية». ذلك لأننا، حسب رأيه، «نعيش في فترة ملحمية من تاريخ البشرية، نتجت عنها تغييرات عميقة في علاقات البشر مع أنفسهم ومع بعضهم البعض ومع العوالم غير البشرية»، وتلك «تغييرات تكاد أن تتجاوز قدرتنا على الفهم والتعبير والتحدث عنها».

الأرجح أنّ عناصر مثل جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا وأشباح الأزمات الراهنة والمقبلة على أصعدة شتى سياسية واقتصادية وبيئية، ليست وحدها وراء انحياز، أقرب إلى التلهّف والمناشدة، نحو الملحمية متعددة الأوجه والتعبيرات والمستويات؛ خاصة حين تأتي الدعوة من هذا المسرحي تحديداً، الإشكالي إنْ أخرج قطعة أوبرا من موتزارت أو مسرحية من إسخيلوس. وليس مستبعداً، في المقابل، أنّ وطأة التاريخ عادت إلى الهيمنة على الفنون، جمعاء كما يجوز للمرء أن يجازف بالملاحظة؛ ويندر أن تكون عودة كهذه متخففة من حسّ الملحمة أو قادرة أصلاً على تفادي اعتناق إغراءاتها.

وضمن هذا المعنى قد تُفهم استطرادات سيلرز صوب تساؤل مثل التالي: «أين هي اللغة، وما هي الحركات والصور التي قد تسمح لنا بفهم التحولات والتمزقات العميقة التي نمرّ بها؟ وكيف يمكننا أن ننقل مضمون حياتنا الآن ليس كريبورتاج صحفي بل كتجربة؟». أو صوب إقرار جارح مثل هذا: «هنالك الكثير من الناس ممن يعيشون على حافة الهاوية، ويشتعل الكثير من العنف بشكل غير منطقي وغير متوقع، وتمّ الكشف عن العديد من الأنظمة الراسخة على أنها هياكل للقسوة المستمرة». أو، ثالثاً، إصراره على ملحمية المسرح: «إنّ مسرح الرؤية الملحمية والغرض الملحمي والتعافي الملحمي والإصلاح الملحمي والرعاية الملحمية يحتاج إلى طقوس جديدة. لسنا بحاجة إلى الترفيه، بل إلى التجمع ومشاركة الفضاء الواحد، نحن بحاجة إلى إنشاء فضاء مشترك ومساحات محمية للاستماع العميق والمساواة».

هذه وجهة لا تخفى نحو إحياء السياسة، وزجّها في قلب المسرح، نصوصاً وخشبة؛ لأنّ الدعوة الملحمية في أبسط تعريفاتها لا تستطيع ضرب صفح عن مشهدية الجموع إذْ تعيش أزمة أو ضنكاً أو استبداداً أو حرباً، وعن المشهدية ذاتها إذْ تستوجب استحضار السياسة إلى المعترك الإنساني. ودعوة سيلرز تردّ هذه السطور إلى احتفاء مأثور بيوم المسرح العالمي، جرى في العاصمة السورية دمشق قبل 13 سنة، حين توجّه نفر من الكتّاب والفنانين والمثقفين السوريين، يحملون الشموع، إلى بيت المسرحي والموسيقي السوري الرائد الشيخ أحمد أبي خليل القباني (1836-1904؟)؛ في منطقة المزّة – كيوان، أعلى ذروة جبلية تطلّ على المدينة. ولأنّ سلسلة معجزات كانت هي وحدها التي حفظت بقاء البيت – وإنْ في هيئة أقرب إلى الأطلال الدارسة – بعيداً عن جشع تجّار العقارات واحتمالات الهدم أو الاستيلاء العشوائي؛ فإنّ مسيرة الشموع تلك اتخذت صفة معارضة جلية واحتجاج بيّن، صامتة بالطبع، لكنها ناطقة على النحو الوحيد الذي كان متاحاً في سوريا تلك الأيام.

وفي عمق تلك الواقعة توجّب أن ترسخ حقيقة أنّ الرائد الكبير يمثّل في التراث المسرحي السوري موقع المتمرّد على الطغيان، الثائر من أجل حرّية التعبير وانعتاق الفنون، والمبدع الذي لا يتملّق السلطة بل يكشف سوءاتها وموبقاتها بحقّ الشعب. معروف أنّ مسرحيات القباني، وخاصة «أبو الحسن المغفل»، أخذت تزعج السلطة السياسية العثمانية، وتقلق بعض المشائخ أيضاً، فأرسل هؤلاء الشيخ سعيد الغبرا مندوباً عنهم إلى الأستانة، وفي صلاة الجمعة هتف الغبرا بالسلطان عبد الحميد الثاني: «أدركنا يا أمير المؤمنين، فإنّ الفسق والفجور قد تفشيا في الشام، فهُتكت الأعراض وماتت الفضيلة ووُئد الشرف واختلطت النساء بالرجال». وكانت العاقبة أن يأمر السلطان واليه في دمشق، حمدي باشا، بإغلاق مسرح القباني، ومنعه من التمثيل.

والحال أنّ دعوة سيلرز اليوم إنما تكرّم مسيرة الشموع الدمشقية تلك، مثلما يصحّ القول إنها تسبغ شرعية إضافية على جهود مسرح في الهند يعيد قراءة برتولت بريخت ويستكشف كوامنه الأدائية/ السياسية، أو مسرح هواء طلق يتوخى اكتظاظ المدرجات الرومانية، أو نقد ما بعد استعماري ينبش عميقاً في مظاهر مسرحية قد تبدأ من طقوس عاشوراء وتمرّ بأمثال هوميروس وشكسبير، ولا تنتهي البتة عند مييرخولد وصموئيل بيكيت…








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي