الحنين المفترس!

2022-04-02

غادة السمان

ثمة برنامج تلفزيوني فرنسي على القناة السادسة يُدعى «تحقيق استثنائي حصري» تقديم برنار دولا فيلاردير، وكان موضوعه الليلة «لبنان». والإعلان عنه في مجلة «تيليبوش» يحمل صورة العلم اللبناني، وبالتأكيد اخترت مشاهدته وفضلته على بقية برامج التلفزيون الفرنسي الجذابة. شدني الحنين إلى لبنان لمشاهدته حتى على الشاشة بعد غياب عامين عن بيروت، والسبب ببساطة انقطاع الكهرباء وماء الشرب والخبز النادر والبنزين لسيارتي والمازوت لمولد الكهرباء الخاص في المبنى حيث أقيم… ومنظر البحر هناك من شرفتي قد يعوضني لكنه لا يكفي!

سويسرا الشرق صارت جائعة!

وجاء في التقديم للبرنامج حرفياً في مجلة «تيليبوش» إلى جانب صورة العلم اللبناني: كان لبنان سويسرا الشرق، لكنه اليوم في إفلاس تام. تم اعتباره زمناً طويلاً واجهة الشرق المذهبة، لكنه اليوم يمر بأكثر الأزمات المالية سوءاً. 80 بالمئة من سكانه يعيشون تحت مستوى الفقر، أما الخبز فصار رفاهية كما اللحم للطعام!

كان المفترض أن يتم بث البرنامج بعد فقرة عن «ديزني لاند» الباريسية، أي في الساعة 11 والربع ليلاً. لكن بدلاً عنه، بثوا برنامجاً عن السنغال، وبعد ذلك لم يبثوا البرنامج عن لبنان بل عن اليابان، وكانت الساعة قد بلغت الواحدة ليلاً، وذهبت إلى النوم وأنا أسخر من نفسي! لماذا أريد مشاهدة برنامج عن وضع لبنان وأنا أعرفه بكل تفاصيله؟ أهو الشوق لمشاهدة الشوارع والناس والبحر والكورنيش؟

لسبب أجهله، ألغى برنار دولا فيلادير صاحب برنامج «تحقيق استثنائي» الفقرة التي كانت من المفترض عن لبنان، وكنت تعبت من الانتظار في الواحدة ليلاً وذهبت إلى وطن الأشواق والكوابيس الملقب بالنوم.

الحنين يقتادني إلى دمشق

لسبب ما، دارت أحلامي في بيتي الدمشقي القديم في ساحة النجمة، إنه حلم الحنين إلى بردى وقاسيون وشارع الحمدية. لم أعد إلى دمشق منذ انتسابي إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، غادرتها ولم تغادرني. الوطن حقيقة كحب لا يمكن نسيانه. أكاد لا أصدق أنني عشت في لندن وروما وجنيف وسواها، وها أنا في باريس منذ ما يقارب أربعة عقود، وما زال قلبي يعيش في الوطن، وتنشط الذاكرة وقت الأحلام والكوابيس! الرحمة أيها الحنين المفترس إلى الوطن.

«أفانين» وتشابه الأسماء!

سرني تعقيب الأعزاء القراء على ما كتبته حول تشابه الأسماء. تحمد «أفانين كبه» الخالق لأن مشكلة تشابه الأسماء لم تواجهها يوماً، والفضل يعود لوالدها الذي اختاره. وهو اسم جميل للفنانة التشكيلية العراقية/الكندية، ولا أعرف من يحمل هذا الاسم الجميل «أفانين»، ولعلها تزداد إدراكاً بحسن حظها لحمل هذا الاسم الأوحد. على العكس مني، فقد عانيت من حكاية تشابه الأسماء، وبالذات حين يجري استغلالها حتى مادياً وأدبياً، والحكايات عن ذلك كثيرة، أتركها لوقفة أخرى.

نجم الدراجي وزمن الفوضى

ملاحظة الأستاذ نجم في محلها حول تسمية المواليد بأسماء الحكام، مضيفاً: وللأسف، العديد في زمن الحروب العبثية هناك من يفقد حياته بسبب «الاسم»، وأضيف أن البعض يعاني على الحدود وقت السفر.. وقد كتب الصحافي السوري ياسر عبد ربه منذ أعوام، شكواه من تشابه اسمه مع أحد زعماء المقاومة الفلسطينية، وهكذا كان يعاني حتى يثبت على حدود بعض البلدان العربية أنه الصحافي السوري وليس فلسطينياً معروفاً.

أسامة كلية OSS

وللهرب من لعنة تشابه الأسماء، صار أسامة كلية، المقيم في ألمانيا، يستخدم اسم OSS بدلاً من Ossama في مراسلاته البريدية!

أما الأديب الذي يوقع باسم «سوري»، فقد انتقل إلى موضوع آخر في محله هذه الأيام، وكتب بصوت الكثيرين ما كانوا يتمنون كتابته، وهو ليس عن تشابه الأسماء، بل التباس (الهويات)، مستغرباً الموقف العنصري للمرشح لرئاسة الجمهورية الفرنسية قائلاً: من الغريب موقف العنصري أريك زيمور ضد العرب والمسلمين في فرنسا: إنه يهودي جزائري عاش وأسرته بكل أمان واطمئنان في الجزائر كما في كل البلدان العربية. اطمئن يا أخي العزيز سوري، أريك زيمور لن يفوز في الانتخابات ولن يكون رئيساً لجمهورية فرنسا، وأقول ذلك دون أن أكون عرّافة!

ليلة عرسها كانت عرّافة!

لبنانيان، هو مهندس ناجح وهي رسامة، تزوجا وقررا قضاء الجزء الأول من شهر العسل في باريس، وحجزا غرفة في فندق يقع في مرتفع مونمارتر المطل على برج إيفل ونهر السين وبقية باريس المدينة الجميلة للعشاق والعرسان وحتى للمهاجرين، والتي أوحت للسينما الأمريكية بأفلام كثيرة مثل «أمريكي في باريس» وسواه.

العروس صديقة لي تدعى آمال. وقالت لي حين عادت من شهر العسل إنها تشاءمت من زواجها هذا، وسينتهي بالفشل. وسألتها: لماذا؟ هل أنت عرّافة؟ قالت: صبيحة عرسي استيقظت باكراً وخرجت إلى الشرفة لأطل على باريس، فوجدت غرفتي تطل على مقبرة مونمارتر.. وهكذا كان أول ما شاهدته عيني ليل عرسي مقبرة! وتشاءمت وصرت واثقة من أن زواجي هذا سيتكلل بالفشل! من طرفي، لا أعتقد أن عرافة تقيم داخل كل منا، وقلت لها إنها مصادفة لا أكثر. زواج آمال كان فاشلاً، وكانت على وشك طلب الطلاق، لكنها توفيت في عملية جراحية اضطرت إليها ولم تصح من (البنج). كانت صديقتي، وأحزنني موتها المبكر، لكنني ما زلت أتذكر لماذا تشاءَمَت صبيحة عرسها حين شاهدت المقبرة من شرفة غرفتها في الفندق.

لا أظن أن لشرفة فندقها والمقبرة علاقة بفشل زواجها، ولو قضيا شهر العسل في فندق كريون الشهير المطل على ساحة الكونكورد، لما تبدل شيء من مصيرها..

ولا أؤمن بالتفاؤل والتشاؤم. وكل ما في الأمر هو أنني حين أذهب إلى فندق ما في أي بلد، أفضل ألا تطل شرفة غرفتي على مقبرة!








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي