مونتالي ودرويش: إحساس الأبيض المتوسط

2022-03-21

صبحي حديدي

الصديق الكاتب والأكاديمي المصري وائل فاروق أحد كبار رافعي ألوية اللغة والأدب والثقافة العربية في إيطاليا عموماً، وهو فارسها الأبرز والأوّل في مدينة ميلانو خصوصاً، وتحديداً في كلية الآداب واللغات الأجنبية – معهد بحوث اللغة العربية التابع للجامعة الكاثوليكية الأكبر والأعرق على نطاق المدينة. ومنذ سنوات ينظم فاروق «المهرجان الدولي للغة والثقافة العربية» يدعو إليه أكاديميين ونقاداً وباحثين وكتّاباً من أوروبا والعالم العربي، يتوزعون على جلسات علمية وأمسيات أدبية؛ كما يشارك الصديق الشاعر والناشر الفلسطيني خالد الناصري، مدير منشورات «المتوسط» ومقرّها ميلانو، ويقيم معرضاً للكتاب العربي. بهجة خاصة إضافية اقترحها كورال طلاب اللغة العربية في الجامعة، بإدارة هاني جرجي، الذي شارك في افتتاح المهرجان بأداء غنائي وموسيقي مبهر حقاً؛ يبدأ من كلاسيكيات الموسيقى العربية ولا ينتهي عند «أنا قلبي دليلي»، كما لا يغفل إدراج «طلع البدر علينا» والترانيم المسيحية!

فاروق اقترح أن أشارك، صحبة الصديقين فواز طرابلسي وسعد البازعي، في جلسة موضوعها «الأدب وتاريخية اللغة»؛ واستقرّ خياري شخصياً على ضغط السياقات التاريخية على اللغة الشعرية والقصيدة في موضوعة البحر الأبيض المتوسط، وما تشغله من مكانة مركزية لدى الشاعر الإيطالي الكبير أوجينيو مونتالي (1896-1981) خاصة في قصيدته الشهيرة «المتوسط» 1925؛ وكذلك في شعر محمود درويش، وخاصة في قصيدتَيْه «الخروج من ساحل المتوسط» 1973، و«حجر كنعاني في البحر الميت» 1992. وإذْ يتجلى موقع المتوسط لدى الأول في تمثيلات مجازية وميتافيزيقية وغنائية ذات ارتباطات وثيقة بالمكان والطبيعة والحنين، فإنه عند الثاني يأخذ هيئة مرجعية وطنية وحضارية تؤكد الهوية وتحرّض على الانتماء. غير أن استلهام مخزون المتوسط الهائل من الرموز والأساطير والدلالات، وبالتالي توظيف صُوَر هذا البحر الطبيعية والمتخيَّلة، يفضي بالشاعرين إلى إسباغ مستويات معقدة من التسخير الملحمي للتعبير الشعري، بحيث تتحوّل اللغة إلى ما يشبه المحيط الزاخر العميق الذي يتسع لأكثر من بحر واحد.

ثمة مشتركات فلسفية أو إيديولوجية أو سياسية أو حضارية أو بصرية وصوتية يمكن أن تُرصد في خلفية كتابة القصائد الثلاث لدى الشاعرين، ولا يلوح أنّ انتماءهما إلى ضفاف متوسطية متنائية نسبياً قد أخلّ بالروابط التي جمعتهما بالبحر ذاته؛ مجتَمِعَيْن، أو أيّاً منهما على حدة

وسعت الورقة إلى الوقوف عند جملة من خصائص تمثيل الأبيض المتوسط لدى الشاعرَين، من جهة أولى؛ ورصد التفاعلات بين ضغوط المادة التاريخية إزاء رحابة اللغة الشعرية، ثانياً؛ ومن ثمّ تلمّس ما يمكن أن يكون سمات مشتَرَكة، ثالثاً، على أصعدة المحتوى والشكل، قابلة للمقارنة في استراتيجيات كلّ منهما لتجسيد الأبعاد الوجودية أو الميتافيزيقية أو الحضارية أو الرمزية للبحر المتوسط. معروف أنّ قصيدة مونتالي نُشرت في مجموعته الشعرية الأولى «عظام الحبّار»، 1925؛ وعبّرت بالتالي عن مكوّنات مبكرة في علاقة الشاعر بالطبيعة عموماً، والبحر خصوصاً، من جانب أوّل؛ وكذلك نزوعه إلى المزاج الساحلي وذاكرة الطفولة في منطقة ليغوريا وروحية القصيدة الرعوية، على خلفية أعمق ربما هي النفور من صعود التيارات الفاشية في إيطاليا خلال تلك الحقبة، من جانب ثانٍ.

قصيدة درويش الأولى كُتبت سنة 1973 حين كان الشاعر يعيش سنته الثانية خارج فلسطين، حيث غادرها إلى القاهرة أوّلاً ثمّ إلى بيروت لاحقاً، وكان يتابع تطوير شخصيته كشاعر مقاومة لكن من الخارج هذه المرّة، والانضمام في الآن ذاته إلى حركات الحداثة الأدبية التي كانت تتنامى في المشهد الشعري العربي. قصيدته الثانية «حجر كنعاني في البحر الميت» تنتمي إلى سنة 1991 ومرحلة المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية التي أسفرت عن اتفاقيات أوسلو، وعبّر الشاعر عن اعتراضه عليها عن طريق الاستقالة من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ وأمّا بالمعنى الجمالي في مشروع درويش الشعري، فهي تسجّل محطة جديدة في توجهه نحو شخصية الشاعر الحداثي الساعي إلى المزج التفاعلي بين القصيدة الغنائية والموضوع الملحمي.

ثمة مشتركات فلسفية أو إيديولوجية أو سياسية أو حضارية أو بصرية وصوتية يمكن أن تُرصد في خلفية كتابة القصائد الثلاث لدى الشاعرين، ولا يلوح أنّ انتماءهما إلى ضفاف متوسطية متنائية نسبياً قد أخلّ بالروابط التي جمعتهما بالبحر ذاته؛ مجتَمِعَيْن، أو أيّاً منهما على حدة. إطلالات مونتالي ودرويش على البحر عموماً، والمتوسط خصوصاً، وطيدة ومتعددة ومتنوعة الأغراض، وتدخل في تعبيرات مباشرة أو مجازية؛ وتستخدم الوقائع الفعلية والملموس والمحسوس تارة، أو الترميز والأَسْطَرة والتجريد تارة أخرى. وفي مقالته الكلاسيكية «حول الشعر» كتب مونتالي أنّ كلّ شيء في مجموعته الأولى كان «مجرّداً ومستوعَباً في البحر، وفيما بعد سوف أرى أنّ البحر محيط بي أنّى توجهت». وقارئ درويش يمكن أن يحصي مئات الحالات التي تشهد استخدام مفردة البحر، فضلاً عن تنويعاتها في اشتقاقات مثل البحار والإبحار.

وإذ يلمّح عنوان الورقة إلى أنّ التاريخ بحر، واللغة محيط، فإن خلاصات المحتوى لا تتوسل إقامة تفاضل من أيّ نوع، كمّي أو كيفي بين هذه الثنائيات؛ بقدر ما سعت إلى تلمّس العلاقة بينهما في جوانبها الجدلية، لجهة التكامل أو التنازع، على سبيل المثال. وليس مدهشاً أنّ البحر يلعب في القصائد الثلاث دور خازن تاريخي وحضاري، كما يبدو أقرب إلى مُزوِّد يمنح مونتالي ودرويش مادّة تنشيطٍ إدراكي وإحساسي يقترب كثيراً من بنية الشعور كما شخّصها المنظّر الويلزي الكبير رايموند وليامز؛ وبالتالي دفع التعبير اللغوي نحو الانعتاق، أكثر فأكثر.








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي