الفراق كافر

2022-03-18

د. ابتهال الخطيب

نزلنا من السيارة عند باب المطار متلاصقتين، لم نكن نعرف بالضبط ما يجب أن نقول، وماذا بقي لنقول بعد عشرين سنة من العشرة، من التلازم اليومي، من عيش تفاصيل حيواتنا سوياً وتفصيلياً؟ مشينا صامتتين إلى منطقة وزن الحقائب، أنجزنا المهمة في ثوان. لم أكن أعرف بالضبط ما كنت أتمناه، لكن لا بد أنني تمنيت لو أن ورقة ما تكون ناقصة أو إجراء ما يكون منتقصاً حتى تعود معي صفية للبيت، بضعة أيام قليلة أخرى معها، بضع سويعات أرى فيها وجهها كما اعتدت أمانه وطيبته إبان سنوات حياتي العشرين الماضية. لكن شيئاً ما لم يحدث. هي اللحظة المحتومة التي قادتنا أنا وصفية وزوجي إلى مدخل المسافرين لنقول لها وداعاً، زوجي بهدوئه واحتضانه الدافئ لها، وأنا بدموع ونهنهات وآهات اقتربت من عويل خافت لا بد أنه جذب أنظار الموجودين وكان ليسبب إحراجاً كبيراً لي وقتها لو كنت قادرة على استشعار أي مشاعر أخرى غير تلك التي لألم موخز مبرح في جنبي وفي لب قلبي.

أعرف أن كلماتي مفعمة بالأنانية، أفكر فقط في ألمي، في نار الفراق تحرق قلبي، وكيف لي أن أفكر في أي شيء آخر وأنا مغمورة بهذا القدر من أسى الفراق؟ على مدى أيام قبل سفرها، حاول زوجي مواساتي: قضت أجمل أيام عمرها معنا، لا بد لها من أن ترتاح بعض الشيء، أن تكون وسط عائلتها، هذه هي الخطوة الصحيحة لها الآن، لربما قبل الآن بكثير، لا بد أن نتقبل بل ونساعدها على العودة لوطنها وأهلها. لكن شيئاً من حديثه لم يترك أثراً في نفسي. أعلم أنني أنانية بتمسكي للرمق الأخير بها، أعلم أنني لربما كان يجدر بي أن أدفعها دفعأً لمغادرتنا منذ سنوات عودة لأهلها ووطنها، أعلم أن إغراءاتي التي بقيت أشير عليها بها، أن ابقي دون عمل، ستكون لك غرفة دائمة بيننا في البيت، ستبقين أختي وحبيبتي ولن تحتاجي للعمل بعدها أبداً، فقط ابقي معنا، أعلم أن هذه الإغراءات كلها غير أخلاقية، غير حصيفة، مليئة بأنانية المُحِب. إلا أنني حقيقة، لم أكن أملك غيرها دفاعاً عن نفسي، عن قلبي، عن أختي التي ستغادرني، والتي لربما لن أراها في أي وقت قريب.

عند باب المغادرة الكريه الذي ذرفت الكثير من الدموع على عتبته، وعدتها بزيارتها في سامبونغا، مدينتها الصغيرة في الفلبين. أكدت لها أن راتبا تقاعديا سيسري لها مدى سنوات حياتنا وحياتها، وهي نقطة أذكرها هنا ليس امتداحاً مبطناً، ولكن إعلانا حقوقيا بالوجوب الأخلاقي والإنساني الذي يفترض أن يكون قانونياً كذلك لإقرار مثل هذا الحق لعاملاتنا اللواتي يقضين أجمل سنوات حياتهن وزهرة شبابهن في رعايتنا. قلت لها إنني أنتظر اتصالها في كل لحظة، وإنني أحبها كثيراً، وإنها تغدر بي في فراقها لي، قلت أشياء كثيرة حميمة وحمقاء وغير عادلة، كنت أتخبط في ألمي وأنانيتي، وكان زوجي يقف شاهداً مبتسماً ابتسامة شفيقة حزينة وهو يرى محاولاتي اليائسة البائسة وحتمية الآتي الأليم.

في أواخر اللحظات، اتصل زوجي بياسمينتنا التي تدرس في بريطانيا، لصفية فيها أكثر مما لي ولوالدها بكثير؛ تلبس صفية حول رقبتها «سلسالاً» ذهبياً على شكل قلب حب فيه صورتها وصورة ياسمينة، وتلبس ياسمينة توأم هذا «السلسال» حول رقبتها كذلك. حين ظهرت صورة ياسمينة على التلفون، تحسست صفية رقبتها وانفجرت باكية على بكاء ياسمينتها، فتصاعدت شهقاتي لا أعرف ما أفعل معها وبها. كان المشهد بهي الألم، وكنتُ ضائعة في ألمي بين الحبيبتين، وكانتا مغمورتين في أشواقهما إحداهما للأخرى بمعزل عني. حزني وغضبي يطرحان في عقلي الباطني الكثير من الأسئلة الغبية: لماذا تخلت عنا صفية؟ ألسنا عائلتها كذلك؟ تُراها ستنسى عائلتها المؤقتة التي شاركت في صنعها على مدى عشرين عاماً فور عودتها لأحضان عائلتها «الحقيقية؟»

لم ينفطر قلبي منذ زمن كما انفطر فجر الثلاثاء الماضي، حين حان وقت وداع صفية. الفراق كافر فعلاً، كافر بأرواحنا، كافر بإنسانيتنا، كافر بقدرتنا على تحمل هذا التمزق، تمزق في الوقت، تمزق في نسيج الحياة وطبيعيتها، حتى ليتآكلنا بسبب هذا التمزق شعور حارق بالتوهان والألم. لقد ضَبَطت صفية على مدى عشرين سنة إيقاع حيواتنا جميعاً، كانت هي الدفة، وكانت هي الحماية، وكانت هي الأم لأهمنا في هذا البيت، لياسمينة الصغيرة.

اليوم ياسمينة تسعى خلف مستقبلها في بريطانيا، وصفية تلاحق ماضيها في الفلبين، تسترق ذكريات ولت وتحاول إعادة بناء ما تهدم بإهمال الزمن وبُعدها عن موطنها. أعرف أنني سبب رئيسي في تشرذم حياتها في بلدها بينما هي سبب رئيسي لالتئام حياتي وانتظامها، لكنني لم أقصد قط أن أسرق منها سنوات عمرها، لم أستوعب أنني أفعل بمحبتي لها ورغبتي في قربها. مرت السنوات سريعة، لربما سريعة بالنسبة، لي بطيئة بالنسبة لها، ولم نشعر إلا والحياة قد سرقتنا، أو بالأحرى سرقت منها هي أحلى سني عمرها. واليوم تجازيني صفية والدنيا خيرَ جزاء، فها هي تسرق روحي وتعصر قلبي وهي تغادرنا وتأخذ معها الدفء والأمان.

وعدناها جميعاً أننا سنزورها إبان أحد الصيفين القادمين، وبكل ما أوتيت من متسع في الوقت والمقدرة سأفعل. في أمان الله يا صفية، أتمنى أن تسامحيني والحياة التي قدرتها الأقدار لكلتينا. أنت تستحقين أفضل مما أستحق أنا من هذه الحياة؛ لأنك ببساطة إنسانة أفضل. أحبك أختاً لم تلدها أمي. في أمان الله.








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي