الدنيا حكّ جحاش…

2022-03-10

سهيل كيوان

يعرف القرويّون أيام كانت القرية ريفًا بالفعل، عندما يلتقي حماران يبادران تلقائياً وبلا مقدمات لتبادل حكِّ أحدهما لظهر الآخر بالأسنان، وذلك لأن الحمار لا يتمتع بمرونة تمكنه من حكّ هذه المنطقة من ظهره بقواه الذاتية، صحيح أنه يتحكّك بالأرض، ولكن تبقى منطقة الظهر في حاجة إلى صفقة بين حمارين.

مع الممارسة منذ العصور القديمة، تحوّل الحك المتبادل إلى غريزة تمارسها الحمير حيثما التقت، وفي الإمكان القول إنها صارت عرفاً اجتماعياً في مجتمع الحمير، فلا يلام من يفعلها، حتى المتخاصم منها، وقد تتمرّد على أصحابها وتهجم لتنفيذ صفقة الحكّ.

وهو ما يمارسه البشر بوعي وتخطيط تحت مقولة «حُكّ لي بحك لك». ويلطّفها البعض فيقول «يدٌ تغسلُ يداً» و»انظر إليّ بعين لأنظر إليك بعينين اثنتين».

هكذا، فما إن نطق وزير خارجية إسرائيل يائير لبيد بكلمة «غزو روسي» حتى رفع لافروف لافتة (جولان) فبُهتت الحكومة.

لم يطل الأمر، فأسرع رئيس الحكومة نفتالي بينت لزيارة القيصر بوتين، وتحادثا على مهلهما، وفي صباحية اليوم التالي استمرت الغارات على سوريا في مجاريها، ويا دار ما دخلك غزو، واسكت عنّي لأسكتَ عنك.

إلا أن الغارة الأخيرة كانت موجهة للشعب الإسرائيلي، وللفت أنظار من تحمّسوا للانحياز إلى الأوكرانيين بأن هناك مصلحة مشتركة مع روسيا في سوريا، وروسيا لاعب قوي في الملف النووي الإيراني، ثم أن هناك تبادلاً تجارياً يبلغ 3.8 مليار دولار مع روسيا. وهناك أعداد كبيرة من الروس والأوكرانيين ما زالوا يحملون إحدى الجنسيتين إلى جانب الإسرائيلية، ويوجد حيتان أموال روس دعموا هذا أو ذاك من وزراء ومؤسسات إسرائيل من خلال «تبرّعات» سخيّة، إضافة إلى استيراد القمح الروسي وأعلاف الحيوانات والفحم الذي يُشغّل 23% من الطاقة في إسرائيل.

أما الرئيس الأوكراني زيلينسكي الذي انهال عليه الحك من كل ظفر وناب وقواطع، فهو يصرخ كمان كمان، فهذا لا يكفي، بل راح يبهدل الحكّاكين أجمعين على تقصيرهم، ويحثهم على المواجهة المباشرة بدلاً من لعب دور المشجّعين، لأن «اللي بوكل العصي مِش مثل الذي بيعدها».

معه كل الحق في أن يزعل، وخصوصاً من إسرائيل الناكرة، التي وقف معها ظالمة أو مظلومة، وساوى بين بالونات أطفال غزة وطائرات الـ «اف 16».

البالونات النفاثة التي تعلّق للأطفال في رياض الأطفال في أعياد ميلادهم وللعرائس في يوم زفافهن، تصبح أسلحة فتاكة وأعمالاً «إرهابية» تبرّر الغارات والصواريخ الإسرائيلية.

أما عن المتطوعين فقد حدثت بلبلة، فلم نعد نعرف من الداعشي الذي سيصبح أممياً ومجاهداً ضد الروس أو معهم! ولا المخرب الذي سيصير فدائياً، أو الفدائي الذي سيصير مخرّباً، هذا يتعلق بمن يدفع.

العار الكبير جاء من تلك الأصوات التي حرضت على «المراهق والأبله والمقامر» دستويفسكي! وهذا يعكس قوّة الدعاية والكراهية والعنصرية العميقة عندما تتجنّد، فتجعل من أجمل روائيّي كل العصور عدوّاً.

يقول المثل «في يوم عزانا ما حدا واسانا»، فقد نشرت جمعية (ميزان) الفلسطينية بمناسبة يوم المرأة العالمي، أنه بين الثامن من آذار/ مارس الماضي والثامن من آذار هذا العام قتلت 60 امرأة وطفلة نتيجة القصف الصاروخي على قطاع غزة، وأصيبت 645 امرأة بجروح من بينهن 248 طفلة، وفَقدَت 99 امرأة أزواجهن، وذلك خلال عدوان أيار الماضي على القطاع، ودُمّر 742 منزلاً صاحبته سيّدة معيلة، إضافة إلى تخريب مئات الدونمات الزراعية التي تديرها نساء يُعلن منها أسرهن، إضافة إلى حرمان الآلاف من العلاج الطبي، وتحويل الانتقال للعلاج من قطاع غزة إلى القدس والضفة الغربية عملية معقدة، قد ينتهي المريض قبل السّماح له بعبورها، أما الدخول إلى إسرائيل للعلاج فهو عملية مركّبة جداً، ويعتبر محظوظاً من يدخل وقد حصل على تغطية مالية من السلطة في رام الله، وهذا العلاج يخص الأطفال بشكل خاص، ولا يُسمح لشاب أن يدخل، لا مريضاً ولا مرافقاً لمريض.

قبل أسبوعين خلال زيارتي وزوجتي لعيادة مريض في أحد المستشفيات، تعَرّفت زوجتي بالصدفة على سيّدة من قطاع غزة، جاءت مرافقة لحفيدها ابن السنوات الخمس المريض بالسرطان، ذاق ذوو هذا الطفل الأمرين حتى تمكنوا من إدخال الطفل وجدّته إلى القدس لفترة علاجية، وعندما تقرّر نقله إلى داخل إسرائيل، كان عليهما العودة إلى غزة والبدء بالمعاملات مرة أخرى من نقطة الصفر، يعني ممنوع الانتقال من القدس إلى حيفا مباشرة، وهذا يستغرق وقتاً طويلاً ومعاناة وعلى حساب صحّة الطفل، ناهيك عن تعب الأهل.

هذه السيّدة ترافق حفيدها منذ أسابيع، ولا يُسمح لأحد بالدخول لتغييرها كي تستريح، ولهذا فهي تنام وتقوم في نفس غرفة حفيدها المريض، الذي يحتاج إلى مرافقة ملازمة طوال الوقت.

لا تعرف من العبرية سوى (شالوم)، ولهذا فهي لا تخرج من غرفتها إلا لدقائق لقضاء حاجة ثم تعود، ولا تنزل من الدور السابع، ولم تر بقية أجزاء المستشفى ولو لمرة واحدة، لم تصل المتاجر عبر الشارع، لأنها مضطرة للبقاء في غرفة حفيدها المريض، وسوف تستمر على هذا الحال لشهرين أو ثلاثة.

من يقرأ هذا قد يظن أنها سيّدة مكتئبة، لكن هذا ليس صحيحاً، فالابتسامة لا تفارق وجهها، تجعلك تحتار، كيف يمكن تقييم دور الأم أو الجدّة أو الزوجة الغزّية في مواجهتها للمرض والاحتلال وقيوده؟ إضافة الى الضغوط الاجتماعية التي لا أريد الدخول فيها، فللفلسطينيات نصيبهن من القمع الاجتماعي والاعتداءات بمختلف ألوانها أسوة بشقيقاتهن العربيات!

أسأل نفسي، من أين لها كل هذا الجَلَد لأن تبتسم عندما تدخل إليها الممرضة أو عندما تتحدث معها إحدى ذوي المرضى الآخرين!

السِّر هو في الإيمان العميق الذي لا يتزعزع، هذه السّيدة تضع إلى جانبها نسخة من القرآن الكريم، تقرأ فيها ما دامت جالسة في الغرفة مع الحفيد، فيحرّرها من أغلال وجدران وأعباء وقيود تهدُّ الجِبال، تشعر رغم كل القيود بأن روحها حُرّة.








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي