طرقات الكؤوس

2022-03-05

د. ابتهال الخطيب

تتوالى «العقوبات» الغربية على روسيا من حيث حظر طيران، حظر المشاركات الروسية الفنية، إغلاق المضايق البحرية أمام السفن الروسية، إدانات كلامية، وإعلان عقد جلسة خاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة لمناقشة الأوضاع، إلى غيرها من الإجراءات الشكلية التي لا يبدو أنها تغني ولا تسمن من جوع. لا تبدو هذه الإجراءات مؤثرة فعلياً مثلما انعدم تأثيرها تقريباً على إيران إبان الحملة الغربية عليها، التي انطلقت تحديداً من أمريكا في فترة حكم أحمدي نجاد، والتي تصدت لها إيران بصمود غريب. كلتا الدولتين، الروسية والإيرانية، هي شمولية قمعية، يحكم الأولى عسكري مخابراتي، ويحكم الأخرى إسلامي سياسي متطرف، وكلاهما وجهان لعملة واحدة. ما يجعلهما ويجعل غيرهما قادرين على التصدي لمثل هذه العقوبات هو في الواقع شكلية هذه العقوبات وسهولة التغلب عليها. مثلاً، تمتلك روسيا حق الفيتو الذي استخدمته بكل وقاحة في جلسة مجلس الأمن ليوم 25 فبراير / شباط مع امتناع الصين والهند والإمارات العربية عن التصويت، مما أسقط قرار إدانة الاعتداء الروسي على أوكرانيا. إذا كان مجرد قرار إدانة يمكن للطرف المعتدي أن يلغيه بفيتو، فأي عواقب يفترض بروسيا أن تخشاها؟

لكن هناك أسباباً عدة كثيرة لتصدي هذه الدول العسكرية المخابراتية، سوريا مثال آخر، لكل تهديد أو إدانة عالميين. ببساطة، العالم بمجلس أمنه بأممه المتحدة بأكمله، عالم منافق، يدين من هنا ويطبطب من هناك، يرفض العنف من هنا ويبرره بل ويموله من هناك. وهذا النفاق، هذه الازدواجية والكيل بمكاييل متعددة، تفتح الباب لديكتاتوريي العالم المجانين ليفردوا عضلاتهم التي صنعوها بالمال والقوة والعسكرة. دول كهذه لا تستمر كثيراً، والتاريخ أعطانا أمثلة عدة على سقوط الأنظمة العنيفة العسكرية، منذ أزمنة الإمبراطوريات الضخمة التي كانت تتساقط بسبب أحجامها الكبيرة وعنفها المريع، وصولاً إلى المثال الأكبر لألمانيا النازية التي ارتطم نظامها الفاشي سريعاً بإرادة الناس وبنفاد صبر الشعوب. كل هذا واقع لا محالة، السقوط الروسي البوتيني آت ولو بعد حين، إلا أنه قد يأتي متأخراً وبتكلفة مرتفعة جداً على المدنيين، وخصوصاً الطبقتين الوسطى والدنيا، بعد أن يتشرد الناس، وتستفحل كارثة اللجوء، وتنتشر الأوبئة، وتتصاعد الحساسيات التي سرعان ما ستصل حد الكراهات بين الناس، وبعد أن يراكم تجار السلاح المزيد من البلايين على ملايينهم، وبعد أن تنقضي الحاجة الأوروبية الأمريكية من هذه الحرب. هم لا يخدعون أحداً، فالطاولة التي يعقدون أسفلها الصفقات أصبحت شفافة هذه الأيام.

وحتى في حال الاقتناع بعد وجود صفقة آنية وباستتباب العداء المعاصر بين روسيا وأوروبا وأمريكا، فإن ماضياً مشبوهاً يحوم فوق رأس هذه الحرب من علاقات وتمويلات، والأهم من «صموتات» مطبقة حين كان الكلام مستوجباً. لقد تخلت أوكرانيا في تسعينيات القرن الماضي عن سلاحها النووي مقابل وعود أمريكية بالسلام والأمن، فأين هذه الوعود؟ ولماذا صمت العالم طويلاً عن فجور روسيا السياسي وعنفها تجاه ليس فقط جيرانها، ولكن كذلك تجاه الثقافات المختلفة لأقليات تعيش على أرضها؟ حين كان الصمت «محرزاً» صمتت القوى العظمى في العالم، واليوم الكلام «محرز أكثر» إعلامياً فأرغى وأزبد العالم، ولا شيء يحدث على أرض الواقع.

لقد سقطت أوكرانيا منذ مئة سنة يوم سقطت فلسطين، سقطت البوسنة يوم سقطت فلسطين، سقطت سوريا يوم سقطت فلسطين، سقط العراق يوم سقطت فلسطين، سقطت أفغانسان في يد طالبان المرة تلو الأخرى يوم سقطت فلسطين، وستسقط المزيد من الدول والثقافات تنبؤاً من يوم سقوط فلسطين، ذلك أن المبدأ يؤسس لسابقة، والسابقة تبقى وترسخ وتدوم بالسكوت عنها وتجاهلها وإدارة الظهر لها، واليوم بإغلاق شاشات الكمبيوتر والتلفون عنها، لتختفي القصة ولنستمتع نحن بأمننا البعيد عن المواقع المشتعلة، أمن هش زائف، لن يلبث أن يختفي في غمضة عين، أمن مهدد باستمرار من يوم قبلنا بالمبدأ وتجاهلنا الكارثة وأسررنا لأنفسنا أن هذا ليس شأننا. في كل مرة قبلت بها البشرية بمبدأ الغاب ورضخت لقاعدة القوي الذي يأكل الضعيف، كانت تؤسس لسقوط مستقبلي لمزيد من الكيانات الإنسانية المسالمة التي لا ذنب لها سوى ضعفها. بدأ ذلك منذ أول مرة رضخ فيها البشر لمبدأ القوة، واستمر مراراً وتكراراً مع كل مرة قابل بها العالم الاعتداء، أي اعتداء، بصمت إما عن خوف أو عن استفادة، وسيستمر الوضع على شفا هاوية من حرب عالمية ثالثة مبيدة للبشر إذا ما بقيت الصفقات تعقد في الليالي الظلماء على وقع طرقات الكؤوس، لتُنَفَّذ على الشعوب في الصباحات القاسية التي تمتلئ استنكاراً وتنديداً صفيقين كاذبين.

وتبقى فلسطين حالة منفردة، فهي ليست ضحية جارة جبارة، وهي ليست مشتبكة مع عسكرة منفردة، وهي ليست مقاوِمة لعنف ذي مصدر أوحد، فلسطين ضحية العالم بأكمله، ضحية مؤامرة أوروبية غريبة، صمت بقية العالم عنها، كانت فيها فلسطين ثمناً «لراحة الأرض والبال»، وتخليص أوروبا من اليهود الذين تخلت عنهم دولهم، وإعفائها من وجع الضمير تجاه هؤلاء اليهود في أعقاب المحارق النازية. ولأن الآثام العظمى لا تمحوها آثام أعظم منها، لا تزال فلسطين خنجراً في خاصرة كل ضمير إنساني. كيف تحول الكيان الصهيوني المستعمر لدولة، وكيف أصبح الطفل المدلل للقوى العظمى في العالم؟ نبحث عن الإجابة، وبطريقة أو بأخرى سنصل لكارثة أوكرانيا الحالية. كلنا سلاسل مترابطة، وكلنا، إذا ما لم نتعقل ونفكر، سيسحب بعضنا بعضاً لهلاك مــحتوم.








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي