في مصائر اللغة ورهاناتها..حين لا يسهم النقد الأدبي في الكشف عن الطاقة الإبداعية للنصّ

منصة خيوط - الأمة برس
2022-03-03

إن أقصى منطقة أو حد يمكن أن تذهب إليه اللغة في رهاناتها الذاتية هو الانتظارمحمد العديني*


في كل أشكال النسيان الكتابية، ثمة نسيان تتعمد الكتابة تذكره: اللغة.

حصاة في بركة أسئلتك، حصاة لا تختزل تاريخ النهر، أو تدعي أمجاد الوصول، حصاة في مجرى التحولات.

المرارات أكبر من أن تحيط بها الكلمات، الكلمة بوصفها لغة هي نفسها مرارة، كلما فكرنا فيها سبقنا إليها الآخرون: التاريخ ورغبة الإنسان الإبداعية في تجاوزه، تجاوز اغترابه أو نفيه التاريخي والميتافيزيقي الجبري؛ وحيث إن (الآخر هو الأنا متكلمًا)*، فموقفنا منه وعلاقتنا به ستظل محكومة بطبيعة رؤيتنا لذواتنا والمدى الذي نقطعه في التعرف عليها والكشف عن فجواتها وهشاشتها وأخرياتها الكامنة.

إشكالية هذه الرؤية تنبع من أنها رؤية زمانية متهافتة غير متماسكة، متداخلة ومتخارجة في الوقت نفسه، تنتهب وعيها ولاوعيها الفارق الفردي والجمعي ضمن أفق انتظار متغير، لا تفلح السياقات التاريخية -عادةً- في إنجاز الدور الحاسم بمنحه ملامح ثابتة خاصة بها، أو البحث لها عن أصالة/ دلالة وجودية مائزة.

إنها رؤية مفتتة متشظية وتحققٌ تراجيدي حزين للذات، الذات المطمورة والمغمورة بفراغاتها الهائلة واختراقاتها النيرة، هذا ما يجعل الظلمة أو القعر ممكنًا وجوديًّا، فسيفسائيات متبلورة تمت بلورة ذاكرة شعرية متحولة من معرفة ومشاعر، من واقع وما فوقه، جزءًا من لغة مختارة ومتهالكة وعلى وشك السقوط، وإعلان لا انتمائها أو غيابها استجابة لمتطلبات الحضور المستحيل.

كوردة حائرة تقف الكلمة/ اللغة بين الإنسان وظله، هذا العبور أو الانشقاق الداخلي قد يكلف التضحية بالكلمة/ اللغة، أو الجزء الظاهر (الاجتماعي) منها، والاكتفاء بالصمت احتجاجًا أو توحدًا وفناء في ذاتها.

إن أقصى منطقة أو حد يمكن أن تذهب إليه اللغة في رهاناتها الذاتية هو الانتظار؛ انتظار ميلاد جديد تنسلخ فيه من شرنقتها، مؤكدة قدرتها على المناورة والدخول مجدّدًا في لعبة أو مغامرة الوجود الشيقة والمضنية حتمًا.

القراءة النقدية قراءة شبه دائرية لا تنفصم عراها بشكل أو بآخر عن النص وقارئه المضمر، ولا تني تمتاح من عوالمه وتشتبك أو تتحاور مع أسئلته في حركة جدلية مضيئة.
النقد الأدبي بوصفه أحد رهانات اللغة، العربي منه على وجه الخصوص، ما يزال في كثير منه إما يتنزه فوق جثامين النص التراثي أو ينشغل بتزويق صوره الكاريكاتورية وإلصاق طوابعه المستوردة على المنتج الأدبي الأكثر قبولًا وانصياعًا لشروط المؤسسة أو الجماعة (النقدية) الحاجبة، النقد الأدبي حين لا يكون مساهمة جادة في الكشف عن الطاقات الإبداعية للنصوص وتنميتها، حين يكتظ بمصطلحاته وأجوبته الجاهزة ومسكوكاته اللغوية المستنفدة، حين لا يكون بحثًا واستقصاء ومساءلة في الوجود النصي ومفارقاته أو انزياحاته اللغوية المربكة، حين لا يمتلك أسئلة نقدية في مستوى الواقع الثقافي والفلسفي المعاصر بتعقيداته وتحولاته الإنسانية العالمية والمحلية أو مستوى ما يطرحه النص من قضايا وإشكاليات فكرية وجمالية مماثلة، حين يكون مجرد توابل ورتوش كرنفالية على هامش النص وكينونته وضميره وصيرورته الإبداعية، حين يكون تظاهرة شكلية/ تطبيقًا آليًّا وحرفيًّا لأحكام وآراء نقدية مسبقة.

بالمقابل، ليس مطلوبًا منه أن يرتهن للنص بتبعية خطية مقموعة أو يترصده بحروب دونكيشوتية قامعة، فكما أن للنص غوايته، كذلك للنقد غوايته واستراتيجيته الموازية أو المكافئة للنص، فالقراءة الإبداعية كالكتابة الإبداعية، انشقاق على المألوف وانسراب في الحقيقي وانهمال في الذات وانكشاف لما يرشح من مفارقة (يجده) في اللامكتمل والمحتمل واللانهائي، رشفات ورشقات في محاولة التخلص أو التملص من عنفوان الاحتفال وإغراءاته السلطوية ومقاومة الاستسلام لشهوة التموضع والارتخاء في قوقعة الانجراح والتمثلات أو الأدوار الرتيبة لتداعيات الصور الجانبية وافتراساتها الإسمية، حيث لا تغدو معها اللغة كلعبة اختيارية لتزجية الوقت وخيبة الأمل، والتكلفة الباهظة لمناوشة العدم أو عناقه، رحيق الشعر والأسئلة المحرقة المتنكبة والمغرّرة والشريدة.

النص، إذن، ضمن هذا المنظور أو في هذا المستوى من الاشتغال والتمظهر الإبداعي، قراءة باعتباره نصًّا غائبًّا ينطوي على طبقات وإحالات نصية متشابكة، إلّا أن القراءة النقدية قراءة شبه دائرية لا تنفصم عراها بشكل أو بآخر عن النص وقارئه المضمر، ولا تني تمتاح من عوالمه وتشتبك أو تتحاور مع أسئلته في حركة جدلية مضيئة تمدّه بأكثر من توقّع وأكثر من ولادة وأكثر من حياة.

____________________________

* ما وراء اللغة.. ما وراء الحرب - صحيفة الحياة.
*كاتب وشاعر يمني








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي