كلُّ شيءٍ لا يصدرُ عن الروح لا يُعوَّل عليه

2022-03-02

أحمد الشهاوي*

 

فلكي تصلَ في الكتابةِ إلى نقطة الذروة ، لابد أن تكونَ قد مشيتَ على جمر رُوحك ، وأمسكتَ النارَ غير خائفٍ ، بعيدًا عن التكلُّف والتصنُّع والتعمُّد ، وما طريقُ الفطرة والتلقائية إلا الجسرُ الواصلُ بين الذات وروحها.
وكلُّ تجربةٍ كتابيةٍ لا تتأسَّسُ أو تقوم أو تنطلقُ من تجربةٍ رُوحيةٍ هي ناقصةُ ، لأنَّ الشاعرَ - الكاتبَ من المفترضِ أن يكون مهجُوسًا بالوجود المحجوب ، لا بالوجود المكشوف ، والمتاح والمرْضِي عنه من قبل سلطات الكتابة ، التي تفرض سطوتها على المجتمع الأدبي .
فأنا لا أكتبُ عن عالمٍ مرئيٍّ جاهزٍ ، ولكنني أحاولُ أن أخلُقَ عالمًا أراهُ في حلمي ، هو عالمٌ آخر جديدٌ ينتمي إليَّ ويشبهُني ، إنْ لم يكُن مطابقًا لروحي فهو على الأقل قريبٌ منها .
وكوني أطلب الحقيقةَ المطلقةَ ، فأنا أمام عالمٍ غير محسُوسٍ لا متناهٍ لاتدركه الأبصارُ الماديةُ.
لي معراجٌ شعريٌّ استند في رحلته على أجنحةٍ كثيرةٍ ، كان أبرزها التصوفُ والفلسفةُ ، إذْ هما جناحان يمثلانني ويمنحانني درجةَ غليانٍ أعلى ، ويجعلان روحي تنطق عن هواها ، دون ترددٍ أو توجسٍ أوحذرٍ.
والأسرار لا تترى إنْ لم تَغْلِ أولا في قِدْرِ الحياة الروحية للشاعر – الكاتب ، والكتب الكبرى التي بقيتْ في نفوسنا طويلا ، صدرتْ عن معارجَ صوفيةٍ لأصحابها ، حتى ولو لم يكونوا صُوفيين ، لأنَّ كلَّ روحٍ تطيرُ عن أرضها ، هي عندي روحٌ طائرةٌ في الطريقِ الصُوفيِّ ،لأنَّ حالَ الشاعر هي مزاجٌ يتفاعلُ مع التصوف أو الفلسفة وليس ابن العربي أو السُّهروردي أو ابن سبعين ببعيدينَ عن ذهني .
فالتجربة تكشفُ الكثيرَ من الحقائق ، وما يشاهدهُ الشاعرُ في حاله ، لايستطيعُ كتابته إلا عبر تجلي الروح وإشراقها ، وليس استعارة أحوال آخرين ، لأنَّ الشاعرَ لا يستعيرُ لسانَ غيره ، وقديما قال النفري : " الجزء الذي يعرفني لا يصلح على غيري".
فالثقافة والعلم وحدهما لايجعلان من الشَّاعر صوفيًّا ،لأنَّ الوصولَ والوصلَ يحتاجان إلى مجاهدةٍ وروحٍ ولدت عارفة ، تدرَّب مريدُها على المنح ، ومن ثم سنكونُ بعد ذلك أمام مقام الذوق ، كلما قرأنا عملا شعريًّا نعرف من خلاله أن روح كاتبه تخرج إلى متلقيها من كل حرف ، ولا يحتاج المرء إلى جهد ، كي يكشف الكتابة الصادرة من موقف الروح ، أو الصادرة من موقف " نويتُ أكتبُ " .
الروح لا تحجبُ ، بل جُبلتْ على الكشف ، وكل روحٍ هي سادرةٌ في منحها ، فقط تحتاج إلى بعض مثيراتٍ لتستجيبَ وتذهب إلى النار وحدها ، ولا تهرب منها ، هي كلما رأت نارا ، وقعت فيها باختيارها ، فهي في الكتابة تكتب ، وفي الصمت تصمتُ ولا حدَّ لشواطيها إذْ هي بلا سواحل .
الروحُ هي التي تسقي شجرةَ الكتابة ، وهي التي تفتح الباب المسدود ، وكل بابٍ مُغلقٍ تراه أمامها مفتوحًا ، هي ترى ، ولا تنامُ ، ولا يدركُها تعبٌ ، تأرَقُ وتقلقُ ، لكنها لا تصدأ ، قد توصدُ بابها أمام مبدعها المشغول اللاهي عنها ، لأنَّها كالشعر ، تُعطي ظهرها لمن يهجسُ بغيرهما ، هما لا يحبان شركاء ، يريدان الجنةَ وحدهما ، لأنَّ الرُّوحَ تغرسُ شجرةً أبديةً أمام باب كلِّ شاعرٍ ، وتمنحه بئر ماءٍ لا تنفدُ ، وتطلب منه أن يرويها ، فإن تقاعسَ عن السقاية ، نقلت شجرتها إلى باب آخر ، ليس له ، وربما قتلتها ، إنعامًا في التنكيل بالمُهمل .
الرُّوحُ ظاهرةٌ ، كأنَّها تنادي صاحبها : " لا تزالُ تراني " والغيبة عنها ، والذهاب نحو آخر ، يُفسد المحصول ، فما يأتي بالذوق أبقى وأهم مما يأتي بالتعلُّم ، ودومًا أثقُ في الوهْبِ لا الكسب ، وابن الروح هو صاحبُ وهبٍ وذوقٍ وكشفٍ ، والشعراء أبناء الأرواح ، هم أرباب أحوال .
الشاعر يذهبُ نحو المطلق اللامتناهي ، يتحدُ بمن يعشقُ ، ويحلُّ فيمن يحبُّ ، يفنى ، هو دوما فوق طور العقل ، دنياه في تعبيرهِ ، وقبس نوره من السموات ، و" شبيه الشيء منجذبٌ إليه" ، وما من فرع إلا وهو دائم الحنين إلى أصله ، والناي يبكي لفراق أمه الشجرة ، ومن ثم تأتي لغته خاصةً لا شبيهَ لها ، ليست لغة العقل ، أو العلم ، أو الفلسفة ، الشاعر يدلُّ وليس عليه أن يدرك نتيجةً ما ، هو يحدسُ ولا يتحدثُ ، هو يرمزُ ولا يقولُ ، هو يشيرُ ولا يشرحُ ، هو يومىءُ ولا يُفسرُ ، هو يسألُ ولا يمنحك إجابةً .
الشَّاعر الحقُّ دومًا في الحال ، التي هي التجربةُ الروحيةُ ، وهي منزلةٌ سماويةٌ عليا ، لا يصلُ إلى سدرتها إلا قليلونَ ، هي عندي " الإشراقُ " ، الذي تتنزلُ من سمواته النصوصُ الكبرى ، التي تبقى ، وتؤرِّقُ ، وتحثُّ وتحرِّضُ ، وتمنحُ من يتلقاها درجاتٍ عليا من الوصول والتحقُّق .
الشاعرُ ابن روحه ، هو دومًا بين نقطتين : نقطة الابتداء ونقطة الانتهاء ، وكلما وصل إلى إحديهما ، عاد إليها من جديدٍ ، لأنه يحيا ويموت بين الصفر والألف أو الواحد ، يجرِّدُ بشريته ليفنى في الله ، ويقول : أنا أكتبُ إذن أنا أحيا وموجودٌ في إرادتي ، التي هي جوهرُ إنسانيته الإلهية لا عقله .
كشاعرٍ سأظلُّ من واقع حال تجربتي ، أنني كلما أردتُ النطق بما رأت رُوحي لا أقدرُ ، وستبقى لغتي دون الحال الذي أنا فيه ، لأنَّ ما فيَّ أكبرُ من اللغة ، وأسمى من التعبيرِ ، ولذا أرى العاشق دومًا عاجزٌ عن كشف حاله ، وهو في مقام الحبِّ ، ودائما لغته إلى المحبوب ، أقلُّ وأدنى مما تكتبه روحُه في صفحاتها بقلم الدم .
والشاعر الذي لا يصدر نصه عن عاطفةٍ جامحةٍ لا يُعوَّلُ عليه كثيرًا ، حيث تكونُ نسبة عصير الدماغ فيه أكثر طغيانا من نسبة عصير الروح ، إذْ الشاعر كالصُوفيِّ تمامًا في كونه ابن استغراقه وفنائه وحدسه اللامتناهي . فهو يكتبُ من " عين البصيرة " أو كما يسميها الصوفية " اسم القلب والسر " .
الشاعر يذهب إلى مناطقَ لا يطرقها الطارقون ولا يعرفها أهلُ الحياة ، ولا يدركها العابرون أو كما قال النفري يومًا في مواقفه : " دعْ عنكَ كل عينٍ وانظر إلى ما سواها " .


*شاعر مصري








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي