

القدس – من محمد زحايكة
احاول هنا تسجيل انطباعاتي المجتزأة عن مسرحية "من القدس مع حبي.. ناجي" لانه لم يتسن لي ان احضر العرض كاملا، وامضيت قرابة الساعة "مصمودا" قابعا في القاعة الخلفية للمسرح في جو من التشتت وعدم التركيز بسبب عملية الدخول والخروج من الباب الخلفي في القسم العلوي من قاعة العرض الا انني احاول ان استجمع لحظات السطوع والالق في هذا العمل المسرحي المتعوب عليه.
ازعم ان اهم ميزة لهذا العمل الفني انه ولد طازجا وساخنا وفوارا من حيث ان النزيف في الشيخ جراح (لب المسرحية) على اشده والدماء النازفة بالمعنى الرمزي ما زالت تشخب حارة فوارة في صراع غير متكافئ بين قراصنة العصر القادمون من اصقاع الدنيا وبين اصحاب الدار والارض الطيبة المنزرعين فيها منذ الفينيق والكنعان الاول.
لا شك ان الطابع التسجيلي الذي يحكي الواقع المر لظاهرة الاستيطان والتي تجسدت بشكل صارخ في اعتداءات القرصنة على البيوت العربية في الشيخ جراح وحملة التضامن ذات الابعاد الدولية وحتى الاسرائيلية ذات التوجهات الانسانية قد اضفى على العمل الفني مسحة مباشرة في توصيل رسالة المسرحية وهو امر اظنه محمود ومطلوب ومرغوب لدى تناول ظاهرة خطيرة واضحة المعالم صارخة الدلالات والانّات والجراحات تشبه ما حدث ويحدث في الشيخ جراح من استلاب حق الانسان في الحياة بحرية وكرامة في بيته اي في وطنه الاصغر وطرده الى العراء تحت السماء والطارق بحجج عنصرية مقيتة.
تمكنت المسرحية الى اخذنا الى واقع حي نابض في الشيخ جراح، واقع يعتصره الالم والمعاناة، واقع يتأرجح بين المعقول واللامعقول في هذا العصر الذي يسيطر فيه القوي الظالم ويفرض قانونه المجحف، ولكنه يتناسى ان الزمن دّوار والتاريخ غدّار..! وانه اذا كان للباطل جولة فللحق جولات وصولات.
المهم ان المسرحية بعفويتها وحيوتها ونبضها الصادق المعاش اخذتنا الى عالم المواجهة المدهشة والغريبة بين اليد العارية والمخرز في اليد الباطشة.
وكما يساورني الاعتقاد الدائم فان مفتاح نجاح اي عمل فني او مسرحي على وجه الدقة هو في مدى تفاعل الجمهور مع العرض، وهذا تجلى خاصة في قدرة ممثل متمكن مثل جمال اسعيد في انتزاع ضحكات الاعجاب او ردود الفعل المنسجمة مع انسياب العمل الفني بوتائر مدروسة.
وتمكن المخرج كامل الباشا من عمل توليفة ممتعة زاوجت بين لغتين عالميتين على المسرح وهما اللغة العربية ذات القداسة الاخروية الممتدة تاريخيا في وعي الاجيال المتعاقبة واللغة الانجليزية بهيبتها العلمية والعالمية وحضورها "المبهج الرنان " في العصر الحديث.
واظن ان المخرج الباشا اضناه العمل الفني في شد عدة خيوط متناقضة الى بعضها البعض حتى لا يتوه في التفاصيل ونجح في احداث عملية أو خلق كينونة الفرجة المسرحية المكونة من عناصر قد تبدو متضاربة لا يجمعها سياق او نسق واحد.
أريد القول ان المسرحية وهذا العمل الفني الدرامي الذي ينطوي على "مربعات كوميدية" من عالم كوميديا الموقف انتجها قلم الكاتب العريق المعجون "بشهوات" القدس عزام ابو السعود.
والكاتب المحفورة القدس بدقائقها في عقله اليقظ في الغدو والاصال.. خيمت فوق رؤوسنا مثل غيمات شباط والهبت احاسيسنا وفتحت جروحنا ودعتنا الى التمسك بالكرامة والحياة الحرة على ارض قدسنا.
كما سحرني المخرج الباشا الذي حسبته زلمة فاذا به باشا باربعة وعشرين قيراطا في قدرته على وضع الممثل المناسب في الدور المناسب والزحف الى عقل وقلب المتفرج وانارة وعيه بصورة مدهشة في هذه "العجة" من الممثلين القادمين من عوالم مختلفة.
ان ما يثير الدهشة في اعمال المخرج كامل الباشا انه قادر على الخروج من عنق الصورة النمطية ومعالجة اعماله المسرحية بفن متميز وادهاش لافت.
اما مايسترو المكان والزمان فهو عمنا الكبير جمال غوشة مدير عام المسرح الوطني الذي يوازن ويدقق في خياراته وينفتح على الاخر بوعي وادراك مفعمين بقدرة الانسان"الفنان" الفلسطيني على التأثر والتأثير.
وازعم ان في تعاونه كمسرح وطني فلسطيني مع ضمير الشعب الامريكي من خلال فنانيه الامريكيين بالتعاون مع الملحقية الثقافية الامريكية في القدس ضربة فنان ماهر حاذق يعرف كيف يدخل الى وعي الاخر ويجذبه الى عالم الانسان الفلسطيني الذي يضج بالمآسي والالام وكأنه يقول لهم.
ان المسيح وآلامه ما زالت تصعد في طريق الالام في القدس الاسيرة ما دام الفلسطيني مصلوب على خشبة القمع والقهر والاذلال.
تحية الى طاقم العمل من عرب ومن عجم. وارى ان القدس عروس عروبتكم في هذا العمل المسرحي المرهف والمفعم بالاحاسيس الجياشة والمشدود بخيط العولمة المعاكسة نحو الاخر، كانت سيدة الدنيا الاولى والاخرة، فهل تنجو القدس من مخططاتهم الشريرة؟