

قد يجد دارسو التاريخ البريطاني مستقبلاً، حين يتناولون العقود الأولى من القرن الـ21، شيئاً من الصعوبة في الإجابة عن سؤال كهذا: "لماذا استقال كير ستارمر عام 2026 بعد عامين في السلطة؟".
ومن يرد منهم الحصول على علامة جيدة، فالأجدر به أن يبدأ بكل الأسباب التي لم يكن ينبغي أن تدفعه إلى الاستقالة.
فخلافاً للشائعات الجامحة على وسائل التواصل الاجتماعي، وللهجوم الإعلامي عليه، وعلى النقيض تماماً من بعض منافسيه ونظرائه، لم يتورط ستارمر في فضيحة جنسية. ولم يكن فاسداً. وسدد ضرائبه.
لم يكذب على البرلمان. ولم يخالف القواعد. ولم يتسبب في انهيار الاقتصاد. ولم يقف في الجانب الخطأ من حرب أجنبية. ولم يصف ناخباً عادياً بأنه متعصب.
دافع عن حكم القانون والقيم الاشتراكية الديمقراطية التقليدية، وأنقذ حزبه من حال "الإفلاس السياسي والمالي والأخلاقي" التي قال، محقاً، إن سلفه جيريمي كوربين تركه فيها عام 2019.
وفوق ذلك، أعاد حزب العمال إلى السلطة بغالبية تاريخية كاسحة خلال أربعة أعوام قصيرة، وإن ساعده في ذلك خصومه المحافظون. ولم يكن خاملاً في الحكم، ولا غير مبالٍ بالفقر واللامساواة. وكما تقول النائبة العمالية جيس فيليبس، المعروفة بصراحتها الدائمة، وبنبرة لا تخلو من التعالي، فإن حكومة ستارمر كانت تصل عادة إلى القرارات الصحيحة "في النهاية".
ففي عهده، خرج نصف مليون طفل من دائرة الفقر، وأُقرت حقوق جديدة للعمال والمستأجرين، وارتفع الحد الأدنى للأجور لـ2.7 مليون شخص، واستقرت المالية العامة، ودخلت الهجرة غير النظامية مسار السيطرة، وأُغلقت فنادق طالبي اللجوء، وتراجعت فترات الانتظار في هيئة الخدمات الصحية الوطنية، واتُّخذت أخيراً خطوات لحماية الشباب من أسوأ تجاوزات وسائل التواصل الاجتماعي. هذا إلى جانب إعادة بناء العلاقات مع أوروبا، والوقوف بحزم إلى جانب أوكرانيا، وإبرام بعض الاتفاقات التجارية المفيدة، والتصدي لدونالد ترمب عند اللزوم.
ليس هذا سجلاً سيئاً بأي مقياس. بل أذهب أبعد من ذلك، وأقول بشيء من الجرأة إن سجل ستارمر، على رغم أخطائه وزلاته المعروفة، سيبقى أكثر أهمية بكثير مما قد يحققه آندي بيرنام، حتى مع التسليم بأن ستارمر تولى الحكم في ظروف أوسع وأعقد.
مأساة ستارمر، التي تصلح مادة ممتازة لمسرحية، أنه رجل صالح تشوبه نقائص. كان يفتقر إلى "الكاريزما"، مع أن البريطانيين، بعد بوريس جونسون، كان يفترض أن يدركوا حدود فائدة هذه الصفة. كان صوته يخرج من الأنف، وطغت على حضوره مسحة باهتة تذكر بجون ميجور، وهو أيضاً شخصية لم تنل ما تستحقه من تقدير إلى حد ظالم.
وباستثناء الدبلوماسية الدولية، التي كان يجيدها ويستمتع بها بوضوح، إذ كان أول من أجاد مخاطبة ترمب والتعامل معه، فوّض ستارمر كثيراً من الأمور إلى غيره. لم يكن ينبغي له أن يترك جانباً كبيراً من اقتصاد البلاد لرايتشل ريفز، ولا أن يترك "السياسة" لرئيس مكتبه مورغان ماكسويني.
ومثل بعض أسلافه، إدوارد هيث وتيريزا ماي مثلاً، كان ستارمر أقرب إلى بيروقراطي بطبعه منه إلى مفترس سياسي بالفطرة، يخطط ويناور ويقتنص الفرص. وحتى صلابته، حين أظهرها، جاءت أحياناً في غير موضعها. ففي فضيحة ماندلسون، وفي سماحه بخفض بدل الوقود الشتوي للمتقاعدين خلال أسابيعه الأولى في المنصب، أظهر ستارمر قصوراً قاتلاً في التقدير. كان في وسعه، بل كان عليه، أن يقنع حزبه بإقرار إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية، لكنه ترك وزراءه ومسؤولي الانضباط الحزبي يسيئون إدارة الملف. وظل دائماً يفتقر إلى "سردية" واضحة، وهو ما فاقم حتماً أثر النتائج الانتخابية السيئة التي تمر بها معظم الحكومات في العادة.
ومع ذلك كله، لا يكفي هذا سبباً لتغيير الزعيم الآن. فالنقطة الحاسمة أن الأمور كانت تتحسن بالضبط في اللحظة التي قرر فيها حزبه إزاحته، واستبدال رجل غير مجرّب به، لا يملك خطة أو سياسات أو سردية أكثر وضوحاً، لمجرد أنه "ليس كير ستارمر".
وإذا افترضنا أن الحرب مع إيران انتهت فعلاً، فهذه هي اللحظة التي سيبدأ فيها التضخم بالتراجع، ومعه أسعار الفائدة خلال العام المقبل. وقبل أن يشن ترمب وبنيامين نتنياهو حربهما المشؤومة، كانت هناك فعلاً مؤشرات مشجعة إلى النمو في مشهد اقتصادي بريطاني قاحل.
ويمكن بالطبع التشكيك في بعض الأرقام، لكن هناك كذلك مؤشرات جيدة في ملفي هيئة الخدمات الصحية الوطنية والهجرة. ويبدو أن هناك إرادة حقيقية لمحاولة معالجة التحدي المستعصي المتعلق بتأمين مستقبل للشباب خارج العمل والتعليم والتدريب، والحصول على اتفاق أفضل مع الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن تحقيق قدر من التقدم، ولو محدوداً، في ملف الإسكا.
وربما كان بات ماكفادين سينجح أيضاً في محاولة جديدة لإصلاح نظام الرعاية الاجتماعية وتعزيز الدفاع. وإذا فشلت تلك المحاولة، فلن يكون الذنب ذنب ستارمر أو ماكفادين، بل ذنب نواب حزب العمال الذين يرفضون اتخاذ القرارات الصعبة، ويفضلون تنصيب زعيم من "اليسار اللين" يقول لهم ما يحبون سماعه. ومع تحسن الاقتصاد والمالية العامة، كما ينبغي أن يحدث نتيجة العمل الشاق الذي بذله ستارمر، سيكون بيرنام هو من يستمتع بثمار الانتعاش.
وبما أن الرجلين من عشاق كرة القدم، وكلاهما يلعب في فرق للهواة، إضافة إلى انتمائهما إلى حزب العمال، فإن التشبيه هنا واضح: تقدم ستارمر في الملعب بصعوبة وجهد كبيرين، ونجح أخيراً في توجيه الكرة نحو المرمى، قبل أن يندفع زميله الصاعد بيرنام ليكون صاحب اللمسة الأخيرة وينسب إلى نفسه هدف الفوز الذي كان ينبغي أن يُحسب لستارمر. لذلك يبدو الأمر كما لو أن ستارمر سُلب حقه. ولو كنت مكانه لبكيت أنا أيضاً.
*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولايعبر بالضرورة عن رأي موقع الأمة برس - الاندبندنت عربية