هآرتس: دول الخليج لا تثق بالولايات المتحدة وتفتح مساراً موازياً مع إيران

2026-06-25 | منذ 1 ساعة

أما زيارة روبيو في هذا الأسبوع للإمارات والكويت والبحرين، الأولى له منذ اندلاع حرب الخليج، فلا تهدف إلى تنسيق السياسة الإقليمية، لأن زيارته لم تشمل السعودية وقطر وسلطنة عمان.(ا ف ب)يتولى قيادة الأوركيسترا الأمريكية الآن ثلاثة قادة، ويطلب منهم قيادة ثلاث حركات منفصلة، كل واحدة منها لها إيقاعها وقوتها، وربطها معاً في سيمفونية متكاملة. فنائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، يتولى المفاوضات مع إيران ويطلب منه التركيز على الملف النووي. ووزير الخارجية ماركو روبيو، الذي لم يكن مشاركاً فاعلاً في محادثات جنيف، يسعى إلى إعادة بناء الثقة التي تضررت بين دول الخليج والولايات المتحدة. وفوق كل ذلك، يبذل الرئيس الأمريكي جهوداً حثيثة لإقناع الناس بأن العمل الذي صاغه ليس نشازاً فقط، لا معنى له، بل هو “نظام جديد” تضع أسسه الولايات المتحدة، وأن مذكرة التفاهم هي “استسلام إيران غير المشروط”، كما يصفها. ولا يخفى على أحد أن إسرائيل في هذا المشروع المنسق ليست إلا مجرد متفرج فرضت عليه المشاركة، وكل ما يمكنها فعله هو السعال بقوة ومحاولة الإزعاج على أمل أن تستطيع وقف هذه الفرقة الموسيقية قبل طردها من القاعة.

 أما زيارة روبيو في هذا الأسبوع للإمارات والكويت والبحرين، الأولى له منذ اندلاع حرب الخليج، فلا تهدف إلى تنسيق السياسة الإقليمية، لأن زيارته لم تشمل السعودية وقطر وسلطنة عمان. روبيو يهدف إلى أن يطمئن الدول الثلاث التي عانت من الهجمات الإيرانية، وضمان استمرار التعاون العسكري وإقناعها بأن أمريكا لا تنوي التسامح في تعاملها مع إيران. ولكن يتوقع أن تظهر هذه الدول – التي يشعر بعضها، مثل إسرائيل، بالتخلي عنها – قدراً كبيراً من عدم الثقة. ففي حين يوضح روبيو أن أمريكا ستعارض بشدة الشروط التي تضعها إيران للعبور الحر في مضيق هرمز، ويعلن ترامب من واشنطن بأن إيران تعهدت بعدم جباية رسوم عبور، بل ويهدد بوقف المفاوضات إذا خرقت هذا الاتفاق، فإن لإيران تفسيراً مختلفاً.

حسب طهران، هي تعهدت بالفعل بعدم جباية رسوم عبور، ولكن ذلك فقط خلال فترة المفاوضات، 60 يوماً. وبالنسبة لها، سواء استمرت المفاوضات أم لا، وسواء تم التوقيع على الاتفاق أو لا، فهي تنوي في هذه الفترة ممارسة حقها في جباية رسوم مقابل “المساعدة الملاحية والخدمات الأمنية”. في الواقع، بدأت إيران بالفعل التفاوض مع سلطنة عمان، حيث توجه رئيس الوفد الإيراني محمد قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي إلى سلطنة عمان يوم الإثنين. وفي بيان مشترك لسلطنة عمان وإيران صدر في يوم الثلاثاء، أعلنت الدولتان عن تشكيل “فريق عمل مشترك” لمناقشة إدارة حركة الملاحة في مضيق هرمز والخدمات البحرية التي ستقدم هناك والتكاليف المرتبطة بها، “بالتنسيق مع دول الخليج الأخرى وحسب القانون الدولي”. ولكن هذا ليس فقط محوراً عمانياً – إيرانياً، الذي يفترض أنه يلتف على مساعي الولايات المتحدة لتشكيل جبهة خليجية موحدة ضد طموحات إيران؛ فقد وصل رئيس وزراء قطر، محمد عبد الرحمن آل ثاني، إلى سلطنة عمان أمس للترويج لتشكيل طاقم تفاوض مشترك بين إيران ودول الخليج. ويهدف هذا الطاقم إلى مناقشة مسألة العبور في مضيق هرمز، والتنسيق المشترك للملاحة، ومسألة جباية رسوم الخدمات. ويبدو أن هذه مبادرة خليجية مستقلة، لا علاقة لها ظاهرياً بالمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وهي تستند إلى فرضيات أساسية قد تحدد سلوك دول الخليج تجاه إيران في المستقبل. الأولى، تشير إلى أن الولايات المتحدة لن تتمكن من الضغط على إيران فيما يتعلق بمسألة السيطرة الإدارية على مضيق هرمز. والثانية، التي تنبع من الأولى، فترى أنه من الأفضل لدول الخليج أن تبادر إلى التوصل إلى اتفاق مع إيران قبل تقديم ترامب نفسه لتنازلات قد تعطي إيران سيطرة مفرطة على العبور في المضيق.

 هذه الفرضيات لا تشير إلى أزمة ثقة في قدرة الولايات المتحدة على التفاوض بفعالية مع إيران فقط، بل تشير أيضاً إلى الحاجة الملحة لصياغة سياسة خليجية مستقلة تعتبر إيران شريكة لا غنى عنها، ليس فقط في مسألة الملاحة في الخليج. فعلى سبيل المثال، سيتعين على دول الخليج، لا سيما السعودية، التنسيق مع إيران فيما يتعلق بتسويق النفط، بعد الرفع المؤقت للعقوبات الأمريكية، وبحث مسألة إنشاء “صندوق إعادة الإعمار” بمبلغ 300 مليار دولار، الذي وُعدت به إيران، وقبل ذلك مسألة الإفراج عن 12 مليار دولار (من أصل 24 مليار دولار) المجمدة في بنوك العالم.

من المهم الإشارة إلى أن جزءاً كبيراً من الأموال الإيرانية تم إيداعها في دول الخليج. ففي قطر، توجد 6 مليارات دولار، ويحتفظ العراق بمبلغ 10 – 15 مليار دولار، التي هي مستحقات لإيران مقابل شراء الكهرباء والغاز، إضافة إلى بضع مليارات تم إيداعها في بنوك الإمارات. ويعتبر النزاع حول الإفراج عن أول 12 مليار دولار بمثابة الامتحان الأول لـ “موقف الولايات المتحدة الحازم” بشأن تنفيذ مذكرة التفاهم. ومن ناحية إيران، يعتبر الإفراج عن مبلغ أولي دليلاً على جدية الولايات المتحدة، وأن التفاهمات ليست أوراقاًدبلوماسية فقط، بل طريقة حقيقية لتنفيذ الالتزام. بالنسبة لدول الخليج،هذه هي اللحظة التي قد يحدث فيها الخطأ الكلاسيكي، الدفع مقدماً قبل ملاحظة أي تغيير في السلوك، وقبل الحصول على ضمانات كافية حول مسألة الأمن والملاحة والتصعيد الإقليمي.

 ورغم أن دول الخليج غير مستقلة في قرارها بشأن الإفراج عن الأموال الإيراني، لكن في حالة إنشاء آلية تفاوض موازية بين دول الخليج وإيران، ستعمل هذه الآلية على صياغة قواعد جديدة، ليس فقط فيما يتعلق بإدارة الملاحة في الخليج، بل فيما يخص أيضاً العلاقة المستقبلية بين إيران ودول الخليج، ما سيؤثر على توجهات واشنطن، بما في ذلك مسألة الإفراج عن الأموال. وقد أوضح وزير خارجية السعودية بأن هجمات إيران تسببت بـ “فقدان كبير للثقة”، وأن هذه الثقة بحاجة إلى إعادة البناء قبل أي تعاون اقتصادي. وقد أصدرت وزارة خارجية قطر نسخة معتدلة أكثر، جاء فيها “هناك حاجة للحوار والاتفاق حول كيفية ضمان الأمن في المنطقة”. ولكن الصيغتين تشيران إلى الاعتراف بضرورة إجراء حوار عربي مع إيران وعدم الاكتفاء بالمشاهدة من بعيد بانتظار نتائج المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.

هذا الموقف، الذي يعتبر إيران شريكة متكافئة مع دول الخليج، يعطي طهران نفوذاً سياسياً، ربما تستغله في التفاوض مع الولايات المتحدة. والمفارقة، أن الدول التي تعرضت إلى ضربات شديدة من قبل إيران قد تعود إلى دورها الذي كان قبل الحرب: إطار سياسي واقتصادي يسمح لإيران بمقاومة الضغوط والتهديدات الأمريكية.

سيعمل روبيو على إقناع دول الخليج بأن الولايات المتحدة ما زالت قادرة على أن تكون مهندسة النظام الأمني الإقليمي، وليس مجرد قوة تتفاعل مع الأزمات بعد حدوثها. وأن المسار أمام إيران لا يأتي على حساب مصالح حلفاء واشنطن. مع ذلك، قد يواجه واقع جديد تكون فيه دول الخليج هي التي تشق طريق منفصلة. في هذا السياق، تكتسب المفاوضات بين إسرائيل ولبنان دلالة أوسع. فقد حرص روبيو على التأكيد بأن واشنطن ستتحدث مباشرة مع حكومة لبنان ذات السيادة حول القضايا بينها وبين إسرائيل، بمعزل عن الإطار الأمريكي مع إيران. ولكن يصعب عملياً الفصل الكامل بين هذين المجالين. إذا فشلت مذكرة التفاهم مع إيران في امتحان مضيق هرمز والأموال المجمدة وبناء الثقة مع دول الخليج، فإن فرصة استقرار الجبهة اللبنانية ستتضرر أيضاً.

 

 تسفي برئيل

 هآرتس 25/6/2026












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي