«معرض وقر» للسعودي أحمد الغامدي: الفن المعاصر في حلة جديدة

2022-02-21

محمد البندوري *

حين تنضج الفكرة والرؤى والتصورات تتقوى المادة الفنية بقيَمها الجمالية؛ فتتجلى بقوة إيحائية، ودلالات عميقة؛ وهو ما ينعكس على المعرض المتفرد عالميا للفنان أحمد حسين الغامدي، من حيث مضمونه ومن حيث المادة الفنية، التي يتقصدها «معرض وقر» المنجز من الصخر وقطرات الماء، وعدة مكونات أخرى، إذ لأول مرة يُنجز معرض بهذا الشكل، الذي تحتضنه إحدى صالات مدينة جدة وهي داما آرت، حيث قام أحمد حسين الغامدي باستقاء المادة الفنية من تجاويف الصخور وقطرات ماء المطر، وبعض المكونات الحية الملازمة لفكرة المعرض المتفرد، الذي يتحرك عبر مراحل، إذ تتبدى فيه الحركة بمقصدية صناعة المعنى البيئي، والدلالات الرامية للحفاظ على الماء من منظور جمالي، ومن منطلق البحث عن التجارب التاريخية العريقة، كما يرى ذلك الغامدي، خاصة أن التراث العربي والإنساني مليء بالفنون المختلفة والعادات الجميلة التي بحاجة لباحثين جادين لإعادة عرضها بشكل معاصر بما يتناسب مع عراقتها، على حد تعبيره.

 

ولا شك في أن هذا العمل الذي فيه حياة وفيه جمال، وفيه متعة تستهدف الرؤية البصرية والحس الإنساني اتجاه الماء والبيئة، يطرح جمالياته الفاتنة تحت سلطة الإبداع، وسلطة التغيير وسلطة الأمل نحو مستقبل الأرض ومستقبل الحياة ومستقبل الإنسانية، لما يتوفر فيه من غنى فكري وحسي وبيئي وجمالي وشكلي، مليء بالإيحاء، يكتسي الدلالات المختلفة والمغازي المتنوعة، ويرسخ ثقافة الماء والحفاظ عليه وكيفية تدبيره. إنه انتصار للحياة ضد التلوث وضد الضياع، بل إنه انتصار للمشروعية البيئية وحضارة الماء، بحس فني وجمالي وإنساني ينبع من ذات المبدع ويسيل في دروب الحياة المعاصرة. إنه عمل متفرد يحمل جهاز مضامين ينطلق من إيمان المبدع الذي يرى أن توثيق التاريخ الإنساني هو ما يشكّل هوية المجتمع بأكمله، ففي يومٍ ما كان بين المطر والصخر حكاية تتخلّق الأرض لتصنع تجاويف الصخور، وتحتفظ بالمطر لأطول مدة ممكنة، ثم يأتي الإنسان ليجرّب أول أساليب تنقية الماء بأقدم فهم عن التلوث؛ ليصل إلى اكتمال الهيئة الشكلية، وفق رؤية دلالية ذات توجه مضاميني قوي جدا، ووفق تصورات فنية وجمالية متفردة، تثير عددا من التساؤلات حول ثروة الماء، واستحضار نداء الوعي من الزمن الأول حول استمرارية الحياة، كما يرى ذلك المبدع. لذلك خصص لهذا الإنجاز الفني الضخم مواد متنوعة، كاستخدامه لمادة الإيبوكسي لتكوين قطرات ماء المطر، فاستطاع أن ينتج 20000 قطرة، واستخدم خيوط الجلب البلاستيكية لتعليقها بقرابة 15000 متر، لتغطي القطرات كامل مساحة صالة داما آرت، حيث يصاحب العرض صوت قطرات المطر.

 

وبذلك، فقد شكل العمل الفني الأول في هذا المعرض تمثيل مجموعة من الصخور المجوفة، تسقط عليها قطرات الماء مصحوبة بصوت هذه القطرات، حيث إن إحدى هذه الصخور، التي تمثل «الوَقْرُ» معلقة والباقي منثورة على الرمل. بينما يحتوي العمل الثاني صخرا وماء وطحلبا، أحضره المبدع من وادي عذب، وادي الفوارة 110 كيلومترات جنوب شرق جدة، بجميع كائناته الحية. ويمثل العمل الثالث صخرة فيها تجويف يسميه «وقر»؛ وهذا التجويف تسقط عليه قطرات الماء من السقف ويمثل الشكل الطبيعي للوقر عندما تسقط عليه قطرات المطر. وهناك أعمال أخرى تؤثث هذا المعرض، وهي كلها تتوزع داخل صالة داما آرت باحترام دقيق للقياس، وبتوظيف قوي للعناصر المكونة المدمجة في الشكل الواحد، وبتركيبة جمالية، وبتقنيات عالية تخول لهذه المادة الفنية ذات المعنى الإنساني التمظهر بنعومة وجمال مثيرين. فقد تمت فيها العناية الدقيقة بالقيم الجمالية، وتم تسخير مجموعة من الوسائل والتقنيات المرتبطة بالفكرة لتثبيت المفردات الفنية الجديدة في الساحة الفنية، بكميات متنوعة في فضاء الصالة، لتشكل إضافة نوعية في المشهد الفني والثقافي السعودي والعربي والعالمي، ويجعل منها مجالا واسعا لمقاربة المادة البيئية والمادة المائية بالأسس الفنية البنائية، المرتبطة بالمنحى الجمالي، وبذلك فإن القاعدة الفنية لهذا المعرض هي مكمن فني متعدد الدلالات تتحقق فيه مجموعة من المقاصد البيئية والمضامين الهادفة والغايات الفنية المتفردة.

وإن صياغة معرض متحرك بآليات فنية وجمالية وبمكونات ومواد مختلفة وتركيبها، وفق نسق متكامل لعبت فيه التقنيات العالية دورا محوريا؛ يجعل الشكل العام في مقاربة تحيل إلى إشارات رمزية دالة على عمق المضامين التي تستهدف ترشيد المياه والاعتناء بالبيئة، من وجهة نظر فنية وجمالية، تجمع بين وحدة الشكل ووحدة المضمون، ما يجعل من هذا المنجز الفني الضخم مُركَّبا فنيا وحضاريا وتراثيا وتاريخيا، يحلق بالفن المعاصر عاليا. ولا غرو في ذلك، فالطاقة الفاعلة لدى أحمد حسين الغامدي تتوفر فيها كل الملكات الفكرية والقدرات الإبداعية الهائلة، التي مكنته من إنجاز هذا العمل التاريخي المبهر الذي يرتكز على مقومات تعبيرية، وأسس فنية معاصرة خولت للمجال الفني الظهور بشكل لافت في الساحة الفنية العالمية.







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي