ما الذي أحدثه الرهاب من الحرية في "شعراء الصمت" والعار؟

2022-02-14

غازي الذيبة *

لم يعد فينا ناظم حكمت، ولا معين بسيسو، ولا بابلو نيرودا. أعدم لوركا بوشاية شاعر تافه، وسقط علي فودة شهيدا في المعركة ضد الصهيونية، وغادرنا تيسير سبول غاضبا من الهزائم التي نحرتنا. انتهى عصر غضب الشعراء وزحفهم الضاري الى متاريس الحرية، يدافعون عن الحقيقة وطلاقة الروح الانسانية، دون أن يطرف لهم جفن.
بقي باستيل الرماد عاليا فينا، حين ذهب الشعر الحار المتدفق من عروق السنديان، لم يعد فائرا كالدم في القلوب، لم تعد قصائد نزار قباني تنبثق من جداول اللهفة والشوق والحرية، لتباغت الطغاة في قصورهم المشيدة، وتطلق عليهم النار بالكلمات التي ما تزال تحلق في السماء مثل طيور السنونو.
لم يعد الشعر قادرا على ارتداء ملابسه الحمراء في ميادين الثوار.
أصبح وسيما، يحلق ذقنه كل صباح، ويقلم أظافره بهدوء مريب، ويتحدث بلهجة ناعمة عن الأزهار والكآبة والعناوين العريضة للأوهام. قتل الفلاحون تحت وابل هجرتهم القسرية من الحقول. وأصبح رؤساء اتحادات العمال، مجرد مخبرين يدبجون التقارير المحشوة بالركاكة والعي، للجم صرخات المضطهدين في المصانع والمعامل والمحلات التجارية، وتحول شعراء الحداثة المريضة بالموضة، الى دكاكين باهتة تبيع الاكسسوارات للوهم، والادعاءات بالبطولة، وفق بروتوكولات ما بعد بعد الحداثة.
غاب الشعر المتورد بقبضات المحتجين على الزيف.
تهشمت عربته المحملة بالأناشيد العذبة وأغاني الحصادين وترانيم الأطفال ومراثي الشهداء، وتحول صوت الشاعر إلى مجرد عواء ضئيل أمام جوعى أحياء الصفيح، وساكني المقابر، والباحثين في حاويات القمامة عما يقيم أودهم.
انتهى عصر الغضب، والساحات التي لا ترى فيها سوى القبضات المضمومة.
انزلق الشعراء إلى آبار النفط، يبحثون عن الاعطيات في مدائح شيوخ الكاز والبنزين والسولار، ليربحوا المليون، والعباءات المقصبة بإمارة الشعر، ولهثوا خلف جوائز السلطات المريضة بانتفاخ كروش سدنتها، وتأتاتهم وهم يزورن التاريخ والجغرافيا، ويعقدون اتفاقيات التنازل عن الحقيقة بكتابات خنثى، لا تفرق بين الجوع والأعطيات والمنح، والحق والغضب والحرية.
هتفوا للسلاطين ورجال الأعمال متوردي الإليات، وعاهرات مواخير السياسات الجديدة لقتل الأمل والحب والجمال.
أصبحت قصائدهم مجردعويل، يمتدح الخوف والرهبة من هراوات العسس والطغاة.
تقمصوا صور الشعراء، وناموا في مزابل أوهامهم بالتفوق الجيني والقبلي والحزبي والطائفي. استمرأوا القعود في المقاهي بأوداج عفية، يتبجحون بإنجازات كسيحة، تتلطى في الحانات والبحث عن الميكروفونات ليتفاخروا بصراخهم في وديان الصمت، وقراءة قصائد تَبْرك في مكبات غرورهم ونرجسيتهم وعمائهم.
نسوا المجازر التي تنفجر في وجوهنا كل يوم.
نسوا أحلام الفقراء التي تدفن في عار بلداننا الفاشلة. نسوا غرقنا في الجوع والفقر والموت تحت بساطير سدنة التخمة وملتهمي لحوم أطفالنا، ولصوص أحلامنا. نسوا موت الأطفال لغياب الدواء عن مشافينا، ولتأخر أطبائنا عن الحضور الى غرف العمليات، وناموا في استرخائهم بعد استمناء الكلمات، ليهنئوا الطغاة بذبحنا.
نسوا قطط الحاويات البشرية، وهم ينزلقون في حاويات القمامة بحثا عن بقايا خبز المترفين ليتناولوه في مقابرهم الجماعية. نسوا بيوت الكرتون وهي تطير مع هبات قروض البنوك المجرمة.
إنهم بلا ذاكرة، بلا عيون، بلا نبض، بلا باروميتر يتفقد ارتفاع ضغط الجوع على أمعاء طفل يذهب الى فصله المدرسي حافيا، جائعا، يتخبط بأسماله المهترئة.
فقط، يبرعون في الكتابة عن بلادتهم، وصمتهم المريض، وسكوتهم عن الحق، وخرير المياه الآسنة في قلوبهم الميتة.
إنهم يرسلون قصائدهم إلينا مع صورهم الباهتة.
يا الله..
كفانا صورا باهتة وتبجحا واستعلاء ومرضى، يرطنون بالشعر والكلمات. كفانا قصائد نثر محشوة بالتهويمات المصابة بالسل. كفانا قصائد معوجة الفم. كفانا هذرا. كفانا غيابا عن الوعي. كفانا حراسا للهراء والتلعثم أمام البساطير، وذرائع الاستبسال في تدوير الخواء والرطانة.
بلا موقف هم، بلا معنى، يسرحون في جهلهم، يقرضون أشعارهم تحت أقدام الطغاة، يتوسلون أعطياتهم، ليس لديهم حقائق، ولا يعرفون من الأجنحة سوى الريش المتساقط على كنادر الغيلان. يمارسون عاداتهم السرية بخوف، ويركضون وراء رضا محرري الصفحات الثقافية، وكتاب الاستدعاءات النقدية، واعجاب جماهير الزفاف الجماعي في أعراس الخزي اليومية.
رماديون، أدعياء، لا يعرفون أن الدمامل تنام فوني تجاويف رؤوسهم، يسيرون بيننا بعد أن يجمعوا الرياش عن بساطير الغيلان، ويلونوها بوجوههم المتجلدة، وهم يبتسمون لأعطيات وزارات ومجالس الثقافة في بلدان تدلق ميزانياتها على شراء السجاد الأحمر، لاستقبال القتلة واللصوص وتجار الموت، والمرابين، بينما تترك أبناءها يموتون من الجوع والبرد والخوف.
أي شعر ذلك الذي يرصونه في كتب لا يقرأها إلا التافهون.
قتلوا طرفة بن العبد، ودبروا مؤامرة لاغتيال امرؤ القيس، عن سبق إصرار وترصد، ونصبوا فخا لعروة ابن الورد بزجاجة خمر، واقتصوا من الشنفرى لأنه أصر على ان ينأي عنهم.
أي شعراء هؤلاء يا الله؟ وماذا ارتكبنا حتى ينبتوا بفطرهم السام بيننا؟

* شاعر أردني








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي