العمّة

2022-02-11

وداد طه

سنةً بعد سنة كانت العمّة تكبر. لم يكن أحد ممّن حولها يشعر أنّها غدت عانسًا. لكنّها راحت مع الأيّام تشعر أنّهم باتوا أقلّ رغبة في معاندتها، فأرجعت ذلك إلى إحساسهم بأنّها كبرت. لا يُعدّ ذلك احترامًا بقدر ما هو مهادنة، تمامًا كما كانت الأيّام تهادنها. أمّا لماذا لم تتزوّج العمّة، فهي قصّة تطول، وهي بدأت تنسى تفاصيلها، كما أنّها لم تعد تكترث. لقد مرّ وقتٌ طويل، اعتادت فيه على الوحدة، بل لعلّها كثيرًا ما كانت تشعر أنّها محظوظة بوحدتها تلك.

عاشت العمّة حياة عاديّة، عاديّة بمعنى أنّها رأت الأهوال وتعوّدت عليها. لم تثبت في عمل، ولم تدم لها علاقة حبّ. ربّما كانت روح العمّة غريبة، ربّما هي حرّة أو لعلّها متسلّطة، كلّ ذلك لا يهمّ، فحياتها رتيبة بشكل يبعث في قلب أيّ عاقل الشّعور بضرورة الانتحار. هل يبدو أنّ ذلك متناقض؟ حياة عاديّة ملأى بالأهوال لدرجة الرّغبة في الانتحار؛ ولكن أيّ حياة ليست كذلك؟

سمح لها عمرها الطّويل، خاصّة بعدما تقاعدت من عملها في التعليم، بعد أكثر من ثلاثين سنة مضتها تُبرم اتفاقًا يوميًّا مع القدر كي لا تجنّ، بمراقبة الأحداث؛ شعرت أنّها تراقبها ولا تحياها، لم يكن ذلك أمرًا سهلًا، فقد أخبرتك أنّها عاشت طويلًا حياة صاخبة. شعورها أنّها ليست ضمن الحدث، لم يعطها أمانًا بقدر ما جعلها تستغرب، وترغب في العودة إلى الحدث، لكنّ ذلك لم يكن أمرًا هينًا البتّة.

يوم الأحد هو الموعد الأسبوعيّ لاجتماع العائلة في بيتها. لا يزال إخوتها يشعرون أنّ والديها لم يموتا؛ يأتون لزيارتها أسبوعيًّا، تُعدّ لهم طعام الغداء، تمامًا كما كانت تفعل أمّها. أورثتها هذا البيت وكثيرًا من عاداتها وأمراضها المزمنة. تحاول العمّة أن تبدو بأفضل حال، لكنّها تشعر بخللٍ ما في روحها، تضحك ولكنّ قلبها فارغ، تأكل لكنّها لا تستلذّ، تستمع إلى أخبار الغلاء ولكنّها لا تهتمّ، رغم أنّ الجميع يعلم ببُخلها وحرصها على اكتناز المال. أخبرتها أختها أنّها حامل، نظرت إليها طويلًا ولم تعلّق، شعرت الأخت أنّ العمّة غيرى منها، لكنّ العمّة في أعماقها رثت لأختها وزوجها وللطفل، "مسكين سيأتي إلى هذا العالم الموحش"، قالت في سرّها، "سيمضي الكثير من الوقت من دون أن يعي أيّ شيء، وقد يموت ولم يفهم لمَ جاء إلى الحياة".

لحق بها رشيد إلى المطبخ، قال متدلّلًا: "عمّتي، أليس عندك شوكولا؟". بعد أن سكبت له "الهوت شوكليت"، جلس رشيد المدلّل على الكنبة، شغّلت له التلفاز، قصدت غرفتها للصّلاة، سمع رشيد صوتًا ما آتيًا من غرفة عمّته، ناداها فلم تجبه، ظلّ في مكانه يتابع الفيلم، لكنّ الصّوت عاد فنادى عمّته من جديد، وحين لم تجبه قصد غرفتها.

فتح الباب فهبّت ريح باردة، كان الشّبّاك مفتوحًا والستارة تنتفخ وتعلو، رائحة العود جعلته يشعر ببعض الأُلفة، إنّها رائحة عمّته، يذكر رشيد كيف كان جدّه يصرخ كلّما بخّرت العمّة البيت، بدا له أنّ جدّه وعمّته لم يكونا على وفاق، لطالما غاب أحدهما إذا حضر الآخر، أو صمتَ إذا تكلّم الآخر، لم يرَ رشيد جدّه يكلّم عمّته يومًا، حتّى أنّه في إحدى المرّات التي زارهم فيها، سمعه يقول لجدّته: "إنّها ملعونة".

ظلّ رشيد واقفًا بالباب، عدّل نظارتيه، كان الضّوء شحيحًا، لكنّه انتبه إلى الرّفوف المعلّقة على الحائط فوق السّرير ذي الغطاء اللون الأزرق، في الزاوية؛ لمحها واقفة، ارتعد وتراجع إلى الخلف، لكنّ فضوله كان أكبر من خوفه. نادى بصوت ضعيف: "عمّتي، لمَ تقفين هكذا؟" لم يجبه شيء، عاد ونادى: "عمّتي، تعالي، ستبدأ المباراة، ألم تعديني أن نتابعها معًا؟". ظلّ شبح العمّة واقفًا في الزاوية. شعر رشيد أنّ البرد شديد، أراد العودة إلى البيت. ليته ترك هاتفه معه، لكان والده جاء ليأخذه. ما بال تلك التماثيل المعلّقة فوق الرّف تنظر إليه بعيونها الحمراء؟ عمّتي لمَ لا تجيبينني؟

- أنا هنا يا رشيد.

- أين أنت؟ أنا لا أراك.

- انظر جيّدًا ستراني. أنا هنا يا حبيبي.

- ولكنّني أنظر بل إنّي أبحلق، هيّا تعالي أنا خائف.

- لا تخف، أنا هنا. أغمض عينيك وستراني.

أغمض رشيد عينيه، أغمضهما بشدّة، سكت كلّ ما حوله، شعر بالدفء فنام.

لم يصدّق أحد ما قاله رشيد، يعرف الجميع أنّه لم يتخطّ ما حدث، يصحبه والده إلى بيت عمّته كلّما طلب، وقد جاء به الليلة الفائتة، وقضاها معه، لكنّ رشيد لا يريد أن يغادر البيت، يقول إنّ عمّته عالقة في زاوية الغرفة. يقف يائسًا يرجو والده أن يصدّقه، لقد أعدّت له الحلوى، يدخل إلى المطبخ ليُري والده الفنجان الذي شرب فيه الشوكولا، يُمسكه من يده إلى غرفتها، يطلب منه أن ينظر، يؤكّد أنّها في الزاوية، يُشفق والده عليه، لقد أخبره المعالج النفسيّ الذي يتابعه أنّه يحتاج إلى تفهّم، لقد مضت سنوات على ما حدث، لكنّ رشيد لا يتخطّاه.

- رشيد، عليّ العودة إلى العمل. هيّا بنا، نعود إلى زيارة عمّتك الأسبوع المقبل.

يسحبه والده من يده، يبكي رشيد بحرقة، ينظر إلى عينَيْ عمّته، يهمس خائر القوى: "كيف سنتركها معلّقة؟"، يغلق والده باب البيت، يعد نفسه أنّه لن يرجع إلى هذا المكان الملعون، يهاتف المعالج: "لقد عادت الهلوسات... يقول إنّها معلّقة، أنت تعلم، لقد مضت على حادثة انتحار عمّته سنوات، لكنّه مصرّ أنّ جده علّقها هناك". يغلق باب البيت بإحكام، كما أغلق باب الماضي حين تبنّى رشيد بعد أن اغتصب والدُه شقيقته.

كاتبة من فلسطين








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي