آفيرو (البرتغال) ذات خريف

2022-02-07

منصف الوهايبي

في تـلـك الأيّام الأولى من سبتمبر

والشّمس هنالك لم تبرح برج العذراءْ

كان لسان البحر ينام كنهرٍ طفلٍ

في لثّـة آفيرو

وقوارب موليسيروس الفينيقيّـة ُ

رابضة في المينـاء

لم يستيقـظ أحـد من نزلاء الفندق،

في ذاك الأحد الدّافئ من مطر اللّيل سوايْ

وأنا أدفع في لـطف بابا دوّارا

وكانّي أتسلّـل من بين أصابع أمّي

نحو لداتـي

في باحة حارتـنا

لا أحدٌ عـنـد لسان البحر يراني

لا شيءَ لِيصغي لهسيس خطـاي

حتّى بلح البحر المـكسـور فـقـد ردمــتـه أقدام البحّـارة والمصطـافيـنْ

وقوارب موليسيـروس هنـالـك ما زالت

تتـرجّح في الفجر المبلول بيـوتا من مــاء

ثمّ كـأني أسمع أصـواتا طازَجـة تحـملها رائحة الملح،

كأنّي ألمح كهّـانا في زيّ ملائكـةٍ سودٍ،

يرسمهـم قـلم فحـميٌّ،

وظلالا بـيضا في قمـصان دون عباءات،

تـقفـز راجفة فوق رصيف الحاجزِ

نحو قوارب موليسيـروس قوارب أولاء الفينيقيّـيـن

(إنكليز الأزمنة الأولى)

ومضوا فـجرا

في أكواريـل الضّحكــات،

يديـرون صواريـهم ناحية الرّيح

أمـراء فـنيقـيّة في جلابـيـبهم

يـقطعـون صـنوبر بـيـبلوس

ذا خـشب لمراكـب ترشيش،

ذا للصّواري

وذا لـتوابيـتـنا

جفّ زيت الصّنوبر في الجلد،

(لكـنّ رائحة منـه، سوداء

كانت تضيء لنا وسط جبس الضّـباب)

قطـرات الـمطــر

لم تكــن غير أصواتـهـم

وهي تبـحث عن كلمــات أرقّ مــن المــاءِ،

حتــّى إذا لاحت الشّمــس ثــانية

أخذت تتسرّب في باطن الأرض

لائذة بالــحجــرْ

مطــر يتســاقـط

ثـمّ يرمّـم أجراس بــلّــوره بالغــبــار،

ويخــلطها بالــتّراب

لأقـولـنَّ عـن الأمطار إذنْ

ما قلت عـن الأشجــار قديــما

هي أيضا بــيوت، لكنّها لسوانا

لكنّ أحجــارها تتـنضّد إذ تـتــساقط

منــحـلـّـة في خيوط الهواء

سأقول: إذن هي مثل الشّجــرْ

فضلـة البحر منذورة لذوات الجناحين،

أرض لمــن يملــكون السّمـــاء

وأقول المــطر

لم يكــن غــير معمــار هذا الفــضاء

سـفينة تــرشــيش

رأس غــزال في مــقـدّم الـسّـفـينه

وذيــلها يـعـلو كـجـيد الـبجـعه

مـرتــفعــا إلـى الــسّــمــاء

وفـي يــدي عـــصا طــويــلة

بــهــا أجـــسّ نــبــض المـــاء

٭ ٭ ٭

قــلــت أســتـدرج الــبنــت وقــت الرّحــيــل

إلــى ســطــح تــرشـــيـــش،

حــيــن تُــفـكّ حـــبالُ المراســـي

بـنعـلــين مــن فــضّـــة،

وأســـاور مــن ذهـــب

ـ قــبــل ان يــطــفئ الــبحــر زرقــته الــبارده ـ

وغـــطــاء عــلى الرّأس فــي هــيـئة الباز

قــلـت: طــفــولــة آلـــهة هــشّـــة هــذه الــبــنت

تــخرج من رئــة الــبحــرِ‍‍‍‍

أمــســكــها مــن ذراعـــيــن يـكـــسوهــمــا زغــب الــبـنّ

قــلــت: أفــكّ فــراء الــثّـعــالب عنها،

أحــلّ ظــفائر مــن خرز ومحــار،

وأعــتــصر الــضّــوء فــي ضربـة الــرّيـــشــة الواحــده

بـــعــد حــيــن تـجيء

بـــعـــد حــيـن تــكــون الــحــراشــف أجــنــحــة،

بــعـــد حـــيــن يــكــون الــمثــلّـــث دائــرة ً

تــتــفــتّــح شــيــئا فــشــيــئا لـــه

وهــو يــســـقــط مــن نــفـــسه

وســـفـــينــة حـــانـــون ذي تــتــقــدّم

فـــي زبــدٍ وطــحــالــبَ يــجــتـرّهــا الــبــحــرُ،

مـــرفــوعــة فــي صــيــاح الــنّــوارس،

يــخــفــرهــا ســمـك طــائــر بـين مــاءيـن

حــتّــى الــتّــخــوم

٭ ٭ ٭

فـي أوّل فـجـر بـعـد الطّـوفـان

وطـأت قـدمـاي الـمـاء

لـم يـبـق مـن الـطـّوفان سـوى ذاكـرة المـلح الأعمـى

طـعـم طـفولـتـنا

لـم يـبـق سـوى ذكـرى الـعـشـبة

بـنت الـنّـسـيان الـبيـضاء

العـشـبه

فـي كـلّ مــكان تـنـبـت،

فـي الـرّمـل الـنّاعـمِ،

بـين شـقـوق الـصّـخـر عـظام الأرض الـصّلـبه

عـند حـواشـي الـطّرق المـأهـولةِ،

تـغـرز ساقـا

أو تـنـصـب فـخـّا للـرّيـح،

وتـصـغـي لـقوائم حـملان تـرعى

الـعـشـبه

بـنـت النّـسـيان الـبيـضاء

تـتـمـدّد فـي مـمـشى مـهـجور

فـي مـنزلـنا الـصّـيفـِي

أو تـبـزغ فـي حـاشية الـماء

تـتـسـلـّـق قـبر أخـي الـضّـائع بـيـن قـبـور

فـي لـشبونـة،

فـي مـنزل» فـرناندو باسّوا»

حــيث «أمالـيا» تـسـتـيـقظ فـي «الـفادو»

واللّـيل يـكاد يـجـنّح

فـي أذنـي كـلب أخـضـر بالـباب

يـتـتـبّـع رائـحة الـظـلّ،

ويـنـظـر فـي عـيـنـيه

حـيـث نـبـاتـيّـون إلـى مـائدة اللّـيل

نـبـيذ أخـضـر يـرشـح فـي الأكـواب

كـرز يـحـمـرّ بطـيـئا فـي سـكّـره الأخـضر،

أصـداف مـحـار فـي قـرمزهـا الـكـحـلي

حـيـث فـتاة ريـو دو جـانـيرو

فـي زيـنتـها الـغجـريّـة: عـقد من كرز خـشـبيٍّ، قـرط أزرقُ

فـي الأنـف، وقـرط أسـودُ فـي الـسّرّةِ،

تـستظهـر ضـحكـتـها

حـيـث الـعـشـبة مـن نافـذتي

فـي أفــق مــن أعــشاب

بـفم أخــضــر، تـجـتـرّ الأرض علـى مـهل وتـدور

كـنّا نـحـن جـمـيعا

الأخـضر والأحــمر

والأزرق والأســود

والـعاشـب واللاّحـم

أطــفالك أيّـتـها العــشــبة

يــا صــانــعة اليــخــضــور

حــديــــث نّــهــر»الدورو» البرتغال

لا تــستـغــرب أن آخــذ والـنّــهـر بأطــراف حــديــث ما

أن تــصـطـفـق الأبــواب بلا صــوت،

ويــهــلّ عــلــيـنا زوّار غــربــاء

أن تــقــفــز نــحــوي أســماك بــحــراشـف أو أجنحةٍ

أســماك كان يلاعبها «سعدي يوسف»

أسماكٌ كــانت تــبلـغ أعــتاب بــيوت البصرةِ

أن يــضــحــك مـنّي صـرّار ذهــبيّ أخـرجه «فتحي النصري»

مـن أحـقـاق طـفولــتـه

أن تــرقص حــولي فـاخـتة بــجــناحـيها المـقــصوفــيـن،

وتــسألــني عـكّازا كــي تــقــطــع نــهر الدّورو

أن يــنــضو حــلزون مــعــطــفه المــطريَّ، ويــنزل أدراج المـاء

أن يـتـوافى «أحمد عبد المعطي حجازي» وقـطاه الـنّـهر معا فـي شَرَكٍ

كـان يـجـاذبـه، يــسأل إن كـان لـه أن يـسـتهـدي

بالـنّـجم الفـيـنـيقيّ إلى مــصر

أن يــأتي «شوقي بزيعٌ» فــي هــيـئة أوزوس الـصّـيّادِ،

ويــلقــي جـذعا فــي الــنّــهر

ثـمّ يــجــذّف دون يــديـن

ويــقــول: مـلاحـة يـوم لا غــيـرْ

كـي أبــلــغ صُــورَ، وأرفــع للنّـار وللرّيــح عــموديـن

أعــرف لا ثــعــبانٌ فــيــها يــحرس زيــتــونة عــشــتارت، لا نــسرْ

صُـورُ المشــطورة بــيـن جزيرتــها والـشّـاطئ،

صُــورُ الـطّافــية الآن عــلى الــبــحرْ

أن يـفـتح «علي أحمد سعيد» بابا فـي شـجـر المرْ

يـخرج منه أدونيسُ ويخرج فـيـنـيـقـيّـون بـقـطّ وحـشيّ أو فـهد أو ثـور أحـدب،

أن يأتي مـعـهم، عـبر موانئهم مـتعاقبة طـول الـسّاحل «محمد علي شمس الذين»

يـنحت سـلّـمه فـي الـصّـخـر

أن يـأتـي «محمود درويش» بجـداريّـته

أن يصعـد نـحو سـماء تـحـلج قـطنا

وجبال عـطور تـترجّح فـي الرّيح

أن يـتـعـب هـذا الـجــسر

هـذا الـجاثي فـوق الـدّورو مـنذ سـنـيـن

أن يـرفع ركـبـته الـيمنى حـينا أو ركبـته الـيسرى

أن تجيء الـحـياة

هـكذا فـجأة

تــنـحــني فـوقـنا

وتــقــبّـل مـا بـين أعـيـننا

ثـمّ تـتركــنا وحـدنا للحـياة

هـذي أشـياء تـحدث يا أوجينيو دو أندراد

حـين نـكون وحـيدين على مقـعدنا

مـتّـكـئين قـريـبـا مـن نــبـض الــنّهـرْ

مـطــهــر دانــتــي

يــــدُ مـــن فــي الـغــمام؟

أهـي الـشّـمس تــضــبط أوتــاره مرّة،

ثـمّ تــرخــي لهـا مـرّة؟

أم هـي الـرّيـح لائـذة بالـشّـجـر؟

يـد مــن فـي الـغـمـام؟

مـطــر يــتـخــلـّــل نــومـي

وأنـت إلى جـانـبي

وأنـا بـيـديـن مــن الـغـيم،

كـنـت أفــكّ فــراء الــثّــعـالـب عــنـك،

وأمــســح ريــش الــنّـعـامْ

والمـــطــرْ؟

يــتــريّــث أم يــتــعـجّــل

هــذا المـــطــرْ؟

فــي الـقــطـار إلى أفــيـرو

قــلت هـامـسـة:»ســوف نــنــزل قــبل مــحــطّـتـنـا

لا أحــبّ الأخـيـرةَ، أعــرف أنّ لــكـلّ مــحــطّـتـه حــيـث يــنزلُ،

وهــي الأخــيـرة! لـكـنّـها لــو يــفــكّـر لــيــسـت ســوى الــموت

يــســتــقــبــل الـقادمــيــن، ويــحـمل عــنهم حــقائــبـهم

وهـو يــغــمــز للـذّاهــبــبيـن

ثــمّ ضــاحــكـة: لا حـدود هــنا لــجــهــنّـم

ثــمّــة درب صــغــيــر يـؤدّي إلى الــبــيت. كــيف أســمّــيــه؟

ســوف أسـمّــيـه مــطــهــر دانــتـي

مــرايـا مــحــدّبــة أو مــقــعّــرة مـــثـل مــوتـي ومــوتـك،

حــيــث لــنا أن نــرى جــسـديــنـا بهــا

حــيــث نــسـلـخ أشــبــاحنا ونــحــبْ

حــيــث نــنــسى ولو مــرّة مــا تــقــول الــكــتــبْ

هـــو:

ثــمـّــة خــــيــط مــا بــيـن الــعــطــر وهــذا اللامــرئي

ســمّــيــه مــا شــئت! اللّه أو الـمـطــلـق

لا نــبــصــره، وعــلــيــنا أن نــتــشـمّـمــه فــي عــطــر

أو فــي مــجــمــرة ســوداء

: هــي

لا أذكــر مــنه ســوى مــا كــانت تــحــكــيه لــنا أمّي

مــن قــصـص الـجـنّ، لكنّي لـم أسـألـهـا إذ كـانت

تــأتـي مــثــقــلـة بـهـدايــاها إلاّ عــن بـابا نــويــل.

مــن يــتــخــفـّـى فــي لـحــيـــته الــبــيــضاء؟

قــطــرات الــمــطــرْ

لــم تــكــن غــيـر مــاء الــحــجــرْ

يــتــســاقط

فــيــما أنــا واقــفٌ

أرقــب الــصّــحو يــمــطر فــي غــيمه

والــحــديــقـة تــفــتح نــافــذةً،

ثــمّ ثِـــنْــتــيـْن،

ثــمّ ثـلاثَ نــوافــذَ،

ثـــمّ مـئــات الــنّــوافــذْ

غــيــر أنّ الـسّــمـاءْ

مــن مــشــبّـك بــيــتـك

أوســع مــن كـلّ هــذي الــنّــوافـذْ

شــبــكــتْ يـديــها

كــي تــريـح الأرض مــن دورانــها

قــالـت: ســأجـلــسـهــا قــلــيلا

ثــمّ أتــركــها لشـأنــي

الــشّــمــس مــا زالــت هــنــالـك عــند بــرج الـدّلــوِ

لــي مــن صـيــفــها عــســل الــبراري فــيــك،

لــي يــنــبــوعــهــا الــكــحــليُّ،

لــي شــهواتــهــا

ولــسـوف تــعــطــيــني فلا أرضــى

ســأرقــص كلّ لــيلـي.. كــلّــه

وأدور حــــولـــي

أمّــا أنــا

فــكــعــادتــي مــا زلــت مــحــتــفــظا بــعاداتــي

وحــالاتـي عــلى حــالاتــها

لا تــعــجــــبي

إن جــئـتــكم مــتأخّــرا

فــي هـــامــش مــن لـــيــل

هــي عــادة الــشّـــعــراء حــتّــى لا يــكــونــوا وحــدهــم

لـــو بــكّــروا

لا تــعــجــبي

إن جـــئــتــكم عــنــد انــتــهاء الحــفــل

٭ ٭ ٭

بــاب دوّار لـم نــعــرف، حــين دفــعــناه

أكــنّـا نــدخــل أم نــخــرج

بــاب كالــنّـوم يــدور بــنا

فــيما أصــعــد فــي عــطــر الــفـانــيــلـيـا

أو أهــبـط فــي رائـحــة الــفـطـر اللّـبـني،

والــباب يــدور بــنا فــي مــنــعــرجــات اللّــيل،

لــيــقــذفــنا فــجــرا

مــنـــهــوكــيــن عــلى الأعــتــابْ

هــل كــنّــا نــتــقــدّم أم كــان اللّــيل إذن؟

أم كــنّــا هــذا الــبــاب!؟

شاعر تونسي








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي