الداخلي

2022-01-28

د. ابتهال الخطيب

أثار فيلم «أصحاب ولا أعز» ضجة كبيرة بعد عرضه على موقع نت فليكس، وذلك لإثارته عدداً من التابوهات المحرم تداولها في مجتمعاتنا، والتي تفضل دائماً كنس الغبار إخفاء تحت السجادة عوضاً عن فهم مصدره ومن ثم التعامل معه.

والفيلم رغم جودة تصويره وتأثيرية زوايا كاميراته والفاعلية الدرامية لفكرته الأساسية السابحة بين الأسطورة والواقع من حيث ربطها للتدهور السريع لحيوات مجموعة الأصدقاء المجتمعين على العشاء خلال ساعاته القليلة بظاهرة خسوف القمر، إلا أنه لم يكن، في كثير من أجزائه، على المستوى الحواري أو التفاعلي المطلوبين لملاقاة موضوعه عند ذات الدرجة من التأثير. والفيلم نسخة عربية من عدة نسخ منتشرة، كالإسبانية والإيطالية والأمريكية وغيرها، حول العالم لذات القصة، ولربما، بالنسبة لكثير من المشاهدين العرب، كانت تلك بداية المشكلة.

وعلى حين أن الفيلم طرح مواضيع فائقة الأهمية والخطورة، إلا أنه بدا مغترباً عن الحواروالتفاعل العربيين. لربما تبدت الإشارة الأهم لعربية الفيلم في أنواع الأطعمة المقدمة على العشاء، التي بدت بمثابة تقديم لهوية الفيلم ولانتماءات شخوصه العربية المختلفة. لا تكمن المشكلة مطلقاً في المواضيع المطروحة ولا في السلوكيات المتضمنة ولا في نوعية خطايا الشخصيات الفضائحية التي جد الفيلم في كشفها إبان فترة العشاء، كل تلك على قدر استعصائها الأخلاقي على المشاهد العربي واستشكال مواجهتها بالنسبة للعقول المعتادة مفاهيم «الستر والسرية»، على قدر ما هي واقعية وحقيقية ومحتاجة للمواجهة والمعالجة. بدت المشكلة الأكبر في الفيلم واضحة في انقطاع حواره عن «الطبيعية» العربية الحوارية، لتبدو جُمل الفيلم أقرب للمترجمة منها للطبيعية الثقافية الانسيابية للمجتمعات العربية. بدا الفيلم كذلك «مقشوطاً» في كثير من زواياه، منتقلاً من مشهد إلى مشهد أحياناً بشكل فج في غياب لنقلة سلسة مرتاحة.

المشهد الأخير من الفيلم تحديداً كان مزعجاً في نقلته، حين خرج الجميع من بيت مضيفيهم ليتصرفوا وكأن كل ما دار في الداخل لم يكن، وكأن كل الأسرار لم تتكشف وكل الخراب لم يظهر على السطح، لتشير هذه النقلة الدرامية إلى فكرة من اثنتين: إما أن كل ما حدث على العشاء كان من منطلق الافتراض، وكله لم يحدث إلا في خيال شهده المشاهدون فقط، أو أن كل شخصيات الفيلم متوائمة من حيث عدم قدرتها على مواجهة الخراب الذي ينخر حيواتها، وبالتالي أتى القرار الجمعي الضمني في النهاية بتجاهل كل الذي كان والاستمرار في تمثيل الأدوار المناطة المعتادة. في كلا الحالتين، أتى المشهد مبتوراً مزعجاً.

يشفع للفيلم جرأته في طرح معضلات اجتماعية ونفسية وفكرية عصية على المواجهة العربية. لربما أكثر ما أزعج المشاهد العربي هو أن الفيلم في عمقه يواجهه بتلك الفكرة تحديداً: عصية المواجهة على النفس والعقل العربيين من خلال استعراضه للطريقة المرضية التي تتخفى بها شخصيات الفيلم عن واقعها ومشكلاتها، خصوصاً، مرة أخرى، من خلال المشهد الأخير للفيلم، الذي يشير إلى ما يشبه الحالة المرضية من التجاهل العصابي التام للمعضلات والمتغيرات. الأسهل أن تمثل على أن تعيش الواقع، ذلك ما قاله الفيلم، لربما أولاً وقبل كل شيء، من خلال كونه عملاً درامياً تمثيلياً يستعرض تابوهات خطرة يمكن للمشاهد أن يتجاهلها فور انتهاء الفيلم ونزول التتر الأخير.

يستعرض الفيلم حالات الخيانات الزوجية، التي تحدث تبادلاً أحياناً بين الأصدقاء في حد ذاتهم، حالات الخلافات الزوجية العميقة الكامنة في نفسي الزوجين، حالات الخيانة التلفونية عبر التراسل الرغباتي الجسدي، إشكاليات تداخل العمل بالعلاقات الخاصة، حساسية اللجوء للمعالجة النفسية، وأخيراً، المعضلتين الأكبر و»الفاجعيتن» الأشد على المشاهد العربي في الفيلم، «فاجعة» اكتشاف مثلية أحد الأصدقاء، ومعضلة حوار مفتوح وصريح بين أب وابنته حول قرار ممارسة العلاقة الخاصة مع صديقها. وكما هو متوقع، انفعل الجمهور العربي تضاداً مع طرح الفيلم ادعاء أن كل هذه المواضيع لا تخص المشاهد العربي، وكأن المجتمع العربي لا توجد فيه خيانات زوجية ولا تبادل نصي جنسي ولا أمراض نفسية. ولقد جاء موضوعي المثلية والحوار الصريح بين الأب وابنته تحديداً، ليشكلا النقطتين الأهم والأعمق والأكثر جرأة في الفيلم.

قدم الفيلم استشكالية الكراهية في التعامل مع المختلف جندرياً في صورة درامية هي الأوقع والأكثر تأثيراً عاطفياً، حين أصبح الصديق «المكتشف أمره»، والذي لربما هو الشخصية الأكثر احتراماً وصدقاً وأخلاقية بين الشخصيات المطروحة في الفيلم، فجأه مكروهاً ومنبوذاً بين مجموعة تعرفه منذ سنوات طويله. كما قدم الفيلم حواراً قوياً جريئاً بين أب وابنته، الذي رغم أنه قد يكون نادر الحدوث في مجتمعنا العربي ورغم استشكاليته المجتمعية والدينية، إلا أن فكرته في حد ذاتها، هذا الحوار الصريح والمفتوح والمستريح بين الاثنين في موضوع غاية في الحساسية، بل وربما الألم والتعقيد الاجتماعي للأب ذاته، هو الرسالة الأهم والأقوى. هذا المشهد تحديداً يضع المشاهد العربي أمام موقف نادر ومهم وخطير، والذي حتى مع استحالة حدوثه وقبوله عند البعض، قد يدفع بهم للتفكير والتأمل وإعادة التقييم للنتائج، ولربما هذه خطوة كبيرة في حد ذاتها.

لقد لقي الفيلم هجوماً فجاً كما هو متوقع، وخصوصاً من الجمهور المصري الذي لم يتقبل إياد نصار ومنى زكي بتمثيلهما للزوجين المصريين المحملين بكل تلك الأسرار والمشاكل. لقد ثار الجمهور العربي تحديداً على أحد أوائل مشاهد الفيلم، حيث تظهر منى زكي «موحية» بخلع لباسها الداخلي في إشارة استباقية لما سيحدث لاحقاً من خيانة نصية بينها وبين أحدهم على وسائل التواصل.

لم يظهر أي جزء من جسد الممثلة، ولم نر سوى تحرك موحٍ بالعملية اللحظية، إلا أن هذه الحركة أثارت حفيظة جمهور يرى شرف المرأة في ملبسها الداخلي، ويعتقد أن بقاءه على جسدها هو علامة على صون العرض الذي كله، بالمناسبة، يخص الرجل لا المرأة، فلباسها الداخلي رمزية لسمعة زوجها، وخلعه، كما سنرى لاحقاً من استجواب الزوج لزوجته، يشكل رمزية تلويث لهذه السمعة واستهانة بأهميتها.

الفيلم، رغم ضعفه الدرامي في الحوار وفي التنقل بين المشاهد وفي تشكيله لانفعالات بعض الشخصيات، هو مواجهة حقيقية للمشاهد العربي مع المواضيع الأهم والأخطر والأكثر إقصاء في حياته. يطلب الفيلم المواجهة ليس فقط مع فهمنا للمفاهيم العميقة للحب والخيانة والشرف وتعاملنا مع المعضلات الشائكة كالمصارحة التامة مع الأبناء، والعلاج النفسي، والتعددية الجندرية، بل يطلب منا مواجهة سلوكية التجاهل في حد ذاتها كسلوكية متجذرة عميقة في الشارع العربي، التي من خلالها ننفي كل الاستشكاليات، ونرفض كل التغييرات الزمنية، ونستريح في «تمثيل» حالات حياتية هي ليست نحن في أعماقنا. الفيلم مواجهة، والمواجهة مؤلمة، والألم ينكش الخوف، والخوف يَظهر في صورة غضب. الشارع العربي غاضب من الفيلم لأنه خائف من ألم المواجهة، وهو ألم قادم لا محالة.

الأولى الإسراع بهذه المواجهة، وكخطوة أولى، لنشـاهد الفيلم..








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي