ميلاد في الميلاد

2021-12-28

الياس خوري

اختارت سناء سلامة مدينة الناصرة مكاناً لولادة ابنتها في شباط/فبراير 2020 وقد أطلق اسم ميلاد على الطفلة التي ولدت من نطفة محررة جرى تهريبها من السجن، وبذلك صار الأسير وليد دقّة أباً، وتحوّل «سر الزيت» إلى نبض حياة.

وليد دقة، يعيش أسيراً في سجون الاحتلال الإسرائيلي منذ ثلاثة عقود، لكنه حوّل «زمنه الموازي» إلى فعل فكري ونضالي وثقافي، بحيث صار هذا الرجل علامة في الثقافة الفلسطينية والعربية.

سناء سلامة اللداوية ووليد دقة ابن باقة الغربية في المثلث اختارا مدينة البشارة بيسوع الناصري، مكاناً لمولد ميلاد. فتمت معجزة الحب «وحلت الكلمة بيننا» كفعل نسجته إرادة الحياة.

الحب هو الحكاية. في الماضي صنع يونس بطل رواية «باب الشمس» حكايته، متسللاً من لبنان إلى بلاده المحتلة كي يزرع عشقه لنهيلة أطفالاً يملأون الجليل بثمار الحياة، متحدياً الحدود والأسلاك، ومعلناً أن الدفاع عن الأرض يمتزج بحب امرأة تلونت بالفصول.

واليوم يصنع الأسرى معجزاتهم الجديدة، فيحفرون لهم ولنا نفقاً يستولد الضوء من العتمة، معلنين أنهم «يدينون بدين الحب» كما علمنا شيخنا الكبير ابن عربي.

لم يولد يسوع ابن مريم في الناصرة، بل ولد في مغارة في بيت لحم، معلناً أنه غريب في أرضه. فالناصري هو الغريب الذي يضم إليه الذين تغرّبوا في بلادهم، لكنه يُنسب إلى المكان الذي بُشرت به أمه مريم، والذي عاش فيه طفولته نجاراً وابن نجار فقير، فصارت الناصرة جزءاً من اسمه، وعرف أتباعه بالنصارى، حسب الرواية القرآنية.

في ذكرى ميلاد المسيح الذي احتفلنا به كئيباً وملفوفاً بأحزان الفقراء واللاجئين والغرباء، نعاين الولادات ولا ننتظرها. فأحزان بيروت وأحزان الضفة الغربية وغزة، تلتقي عند مفترق الولادات الجديدة، التي تنضج على نار الألم. في هذه الذكرى رأيت شذرات ضوء تخرج من شقوق الأسى، فذهبت إليها كلماتي، كي تشهد، تماماً مثلما فعل يوحنا في إنجيله حين أعلن أنه «جاء ليشهد للنور».

النور الذي نشهد له يلخّص أشكالاً متعددة لإرادة الحياة التي لا تنكسر، ولعل مولد الطفلة ميلاد، جسّد بالاسم الذي أتى معها إلى العالم هذه الإرادة.

ميلاد ابنة وليد وسناء ليست وحيدة، فهناك اليوم عشرات الأطفال الفلسطينيين الذين هربوا من بين قضبان السجن ليلتقوا بأرحام أمهاتهم، ويصيروا كلمات أجمل من الخيال، وشهادة على أن الحياة تستطيع أن تكسر قضبان السجن وتحتل المكان.

هناك حسب الإحصاءات 71 أسيراً فلسطينياً نجحوا في إنجاب 102 من الأطفال. ففي آب- أغسطس 2012 ولد مهند ابن الأسير عمار الزين، وكان بذلك بكر أطفال الحرية.

المقاومون في فلسطين، على الرغم من كل شيء، بل على الرغم من فلسطين نفسها، التي تبدو على أيدي سلطتها وكأنها استسلمت لقدر الاحتلال، كانوا ولا يزالون قادرين على صناعة الحياة من ركام بيوتهم المدمرة وحقولهم المصادرة وأشجارهم المقتلعة. هذه القدرة ليست تعبيراً عن البطولة، بل هي جزء من إرادة البقاء، فما لا يعرفه المحتل هو أن الحياة كانت وستبقى أقوى من الموت.

ميلاد لن تكون وحيدة أو جزءاً من ظاهرة غريبة ومتفردة، إنها ابنة الحب والألم، وما قامت به والدتها ووالدها هو أنهما أكدا المؤكد، وجاءت شهادتهما في الناصرة كي تكون الطفلة الناصرية الوليدة نجمة يراها الرعاة في ليل فلسطين، ويستهدون بها إلى ولادات لا تنتهي، تشق العتمة بالضوء الذي يشع من عيون أطفال يعيدون رسم ملامح العالم.

كنت أتخيل دائماً أن الناصرة تشكّل عبئاً على النصراويين، فالمدينة العربية التي تقع على كتفها مستوطنة يهودية، صارت هي المدينة الفلسطينية الوحيدة التي لم تندثر معالمها مثلما حصل للمدن الفلسطينية التي سقطت تحت الاحتلال عام 1948 وتم تهويدها، لتتحول اليوم إلى مدن يطلق عليها اسم المدن المختلطة لأن التهويد الكامل لم ينجح.

عبء الناصرة اسمه المسيح وأمه مريم، ففي أزقة هذه المدينة عاش الطفل الذي تقمّص النور، ومنها بدأت مسيرة الغرباء التي لم تستطع كل مؤسسات السلطتين السياسية والدينية مصادرتها، فالناصري كان وسيبقى رمزاً للغريب الأليف الذي يذهب إلى صليب الألم، كي يكون شهادة للحب.

سناء سلامة الآتية من اللد التي شهدت كبرى مذابح 1948، وصُلب من تبقى من أهلها في الغيتو الذي سيّجه الجنود الإسرائيليون بالحقد والموت، قررت مع زوجها وليد دقة الآتي من المثلث الذي كان شاهداً على الخيانة والذي سلم للإسرائيليين من دون قتال، أن يكون مولودهما المهرب من السجن، سواء أكان ذكراً أو أنثى، ميلاداً. ذهبوا إلى الناصرة معلنين أن ما بدا لكثيرين عبئاً، صار لهما ولابنتهما أفقاً. ففتحت الطفلة ميلاد عينيها على مدينة الناصري، لتكون مع رفيقاتها ورفاقها، الذين اخترقوا أسوار السجن، شاهداً جديداً على أن فلسطين هي موعد الغرباء مع الغرباء، وأن الفلسطينيين الذين جرى تغريبهم في أرضهم وعنها، هم علامة الحق ونجمة الحقيقة.

أمام هذه الحقيقة الباهرة تجد الكلمات نفسها عاجزة عن التقاط المعنى الذي تختزنه. ألهذا السبب كتبت قصة ولادة يسوع وحياته أربع مرات وبطرق مختلفة على أيدي متى ومرقص ولوقا ويوحنا، والعديد من كتاب الأناجيل التي تعتبرها الكنيسة منحولة، ومن بينها إنجيل مريم المجدلية التي كانت الشاهد الأول على القيامة.

يجد الأدباء أنفسهم عاجزين عن كتابة الحكاية الفلسطينية مرة واحدة، بل عليهم استعادتها وإعادة قراءتها وكتابتها بصفتها ميلاداً دائماً.

تحية إلى ميلاد في ذكرى الميلاد.








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي