قُبْح.. جمال.. وكرة قدم!

2021-12-23

إبراهيم نصر الله

هزيمة أولى: كلّ هذا القبح.

لم أقرأ خبرًا يقول مَن تلك التي فازت بمسابقة ملكات (الجمال) التي نظمها الكيان الصهيوني، وهي منذ البداية لا يمكن أن توصف إلا بأنها ملكة جمال القبح، هذا أول ما خطر بالبال، وما باح به كثير من البشر في أكثر من مكان، بتعليقاتهم مرّات، وبانسحاب ملكات جمال آثرن ألا يدججن جمالهنّ ببنادق استُخدمت في قتل نساء فلسطين الجميلات حقًا بشموخهنَّ المتوّج بنداء الحرية، أو يدججنه بقذائف الجيش الصهيوني المستخدمة في قتل أطفال فلسطين المتطلعين لشمس الحرية، ورجالها وشيوخها الذين منذ أكثر من سبعين عامًا لا يتوقون لشيء مثلما يتوقون للحرية.

رهائن العنصرية الصهيونية، رهائن البحث عن تاج ملطخ بالدم، وابتسامات ملطخة بالعار، وخطوات مكبّلة بتاريخ القتل والعنصرية، كلّهن يدركن بصورة أو بأخرى فداحة المشهد، إن لم يكن بوعيهنّ الغائب المغيّب، فبمأزق الكلمات الساذجة عن جمال فوق العقيدة واللون والمكان والتاريخ نفسه.

لا مكان للجمال فوق المبادئ، ولا وجود له خارج المكان، ولا ملامح له إن كان منزوعًا من الجوهر، (تشبيهًا بكل تلك المواد الاستهلاكية المنزوعة الدسم، أو الخالية من السّكر، أو المشروبات «الدايت»).

الجمال قيمة إنسانية أولًا وأخيرًا تصعد بما في الجمال من عذوبة وفتنة ورقة. الجمال هو رحمة ضد القبح، ولا نعني هنا الهيئة، بل الطغيان وإهانة البشر وقتْلهم وتشريدهم وإحالة وجودهم إلى جحيم فوق أرضهم.

كانت هذه المسابقة أشبه بانتخاب ملكة لمصاصي الدماء، للزومبي، أو لاختيار أكثر الجنود تحقيقًا للأهداف في أجساد الفلسطينيين برصاصه أو قذائفه وصوايخ جيشه، لتتويجه.

تقول ملكة (جمال) البحرين: «أتّحدُ أنا وأخواتي الزميلات لكْسر الصّور النمطية للجمال في العالم». لا أعرف من ألصق هذه الجملة بلسانها، لكنه أصاب فعلاً، لولا كلمة واحدة هي «النمطية» لأن المشارَكة في مسابقة كهذه كسْر لكل القيم التي دافع عنها الإنسان بجمال آدابه وفنونه وفلسفته وثوراته ونداء حريته وشموخ كرامته ودماء أبنائه، وما المشاركة في هذه المسابقة إلا التسليع الأكثر قبحاً لما تمّ تسليعه أصلاً، والرصاصة الأخيرة في رأس (جمال) متعثر بكل ما فيه من هشاشة.

لكن الجميل حقًّا أن التمادي في العمى هو السبب الحقيقي الذي حوّل المشاركات إلى سارقات للجمال الحقيقي، لقد هبطن عن مسرح العرض ليقُمن بما يقوم به الكيان الصهيوني منذ ثلاثة وسبعين عامًا، وأعني هنا سرقة جمال (ملكات الحرير) حسب عنوان كتاب عزيزنا أسامة السلوادي: سرقة جمال الفلسطينيات في أثوابهن، سرقة تراثٍ والزّهو بارتدائه أمام العدسات بكل هذه الغطرسة المريضة بعماها وتعاميها.

كان لا بد إذن من هزيمة في النهاية، هزيمة كبرى تلحق بقطيع (الجمال المُعلَّب) وجاءت في وقتها، تلك الضربة التي وجَّهتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) بإدراجها «فن التطريز في فلسطين: الممارسات والمهارات والعادات» على لائحتها للتراث الثقافي.

أستعيد هنا صورة أُمّي، في المخيم، التي كانت تُمضي شهورًا طويلة وهي تُطرّز ثوبها بتفانٍ وإتقان واستغراق، وكأن خطى الإبرة في القماش هي خطى عودتها إلى بيتها المسروق في قريتها. لم تكن أمي ومَن بجانبها من نساء – كل واحدة منهنّ تخيط ثوب قريتها أو مدينتها المختلف عن ثوب الأخريات- عاجزات عن أن يستُرن أجسادهنّ بأثواب تُشترى بأبخس ثمن، لتدفئة أجسادهنّ، لكن ما كن بحاجة إليه هي تلك الأثواب التي تستر أرواحهن، تبدِّد غربتهنّ، وتحرس أحلامهنّ.

هذا هو ثوب فلسطين، الذي لا يليق بقبح كلِّ من يسعى لسرقته، لا بالدبابة ولا بالتخايل فوق مسرح القبح.

نصر جميل.. هزيمة ثانية

لست من متابعي مباريات كرة القدم، إلا في نهاياتها، وهذا تقصير يحرمني من دراما المسار الذي يوصِل إلى هذه النهايات، وكم كنت سعيدًا بمباراة الجزائر وتونس، وهذا التألق الفذّ لفريقين عظيمين بقدر ما كان الواحد منهما يسعى للفوز باللقب، كان أكثر ما يحرصان عليه هو التسابق في حبهما لفلسطين ولشعب فلسطين. هنا جمال يردُّ لفلسطين روحها، ويعطيها الأمل في أنها ليست وحيدة، وأن هؤلاء اللاعبين هم رُسل الأمل والجمال في وجه ذلك المال الأسود الذي يُكرَّس لدعم العنصرية في واحدة من تجليات قبحها المتمثلة في «نادي بيتار القدس» الذي استمات الشيخ حمد بن خليفة آل نهيان، أحد أفراد الأسرة الحاكمة في أبو ظبي، للظفر بحصة مقدارها 50% منه، وتعهَّد بضخّ 90 مليون دولار في فريق القتلة خلال السنوات العشر القادمة.

هزيمة أحلام صاحب الملايين هذه، الذي يشكل جزءًا قبيحًا من أصحاب المليارات الذين (يستَسعرون)؛ من سُعار، إن جاز التعبير، لضخّها في المشاريع المشتركة مع هذا الكيان العنصري، هزيمة كهذه، تأتي على (أقدام) ولا أقول (أيدي) فريق كرة قدم «بني سخنين» الفلسطيني (2- صفر) في شمال فلسطيننا التاريخية، الذي ألحق الهزيمة بنادي «بيتار القدس» ولاعبيه وداعميه والحالمين به، على أرض «سخنين» أرض فلسطيننا، وهذه واحدة من أكثر الرسائل تعبيرًا وجمالًا وهي تتجاوز مساحة ذلك الملعب التي أقيمت فيه المباراة، لتغدو لعنة تلاحق كل أولئك الذي يحالفون البندقية الصهيونية وعنصرية كيانها.

كان لا بد إذن من هزيمة لقطعان الذّل، وقد جاءت في وقتها.

وبعـــد:

ههناك، هنا، وهنا وهنا

الكلاب ستنبح أكثر من أيّ يوم، وينبحُ جيشُ الظلامِ

لكننا لم نكن ذرَّةَ الرَّمل في هذه الريحِ يا امرأتي

نحن دومًا هنا

في حنيني إليكِ وفي ثوب أُمّكِ

في كل هذي الخيول الطليقة في عرسنا

في فضاء، غناء، هنا يسكنان جمالًا يسمَّى فلسطيننا









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي