فانون 1961: سنة «الصخرة»

2021-12-20

صبحي حديدي

شهر كانون الأول (ديسمبر)، من العام 2021 الذي يوشك على الانقضاء، يسجّل مناسبتَين على صلة بالثائر والمناضل والمفكر والطبيب النفسي المارتينيكي، الجزائري فيما بعد، فرانز فانون (1925 ــ 1961)؛ ففي السادس منه رحل الرجل في مصحّ بيتيسدا، الولايات المتحدة (تحت الاسم الحركي إبراهيم الليبي) بعد معاناة ممضة مع اللوكيميا؛ وقبل الرحيل بأيام كانت قد وصلته النسخ الأولى من كتابه الأهمّ «معذبو الأرض» الذي جاء بعد ثلاثة أعمال للمسرح صدرت خلال عامَيْ 1949 و1950، ثمّ «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء»، 1952، و»السنة الخامسة من عمر الثورة الجزائرية»، 1959.

الطبعة الأولى من «معذّبو الأرض» صدرت عن دار النشر الفرنسية ماسبيرو، ومُنعت على الفور لأنّ الكتاب ينطوي على «تهديد الأمن الداخلي للدولة»، وذلك رغم المقدّمة المسهبة، بالغة الخطورة والمغزى أيضاً، التي كتبها جان – بول سارتر، الفيلسوف الأشهر في فرنسا تلك الحقبة؛ ورغم مقالات الترحيب العديدة التي نُشرت في الدوريات الفرنسية وعلى نطاق العالم، بعد ترجمة الكتاب إلى 17 لغة وانقلابه إلى ما يشبه البيان الكوني ضدّ الاستعمار وفي سبيل حركات التحرر على نطاق «العالم الثالث» حسب مصطلحات تلك الأزمنة. قبلها كان كتاب «السنة الخامسة…» قد مُنع أيضاً لأسباب مماثلة.

الكتاب ينطلق من فكرة محورية مفادها أنّ القهر، وفي بُعده العنصري كواحد من أبرز تعبيرات القهر، لا يقوم بأقلّ من شرعنة العنف، وتنظيمه في مؤسسات بنيوية، فضلاً عن تجريد العنف الشخصي الذي يمارسه المستعمِر/المستوطن من الطابع الفردي، وإسباغ الصفة القانونية عليه

الفصل الأوّل من الكتاب ينطلق من فكرة محورية مفادها أنّ القهر، وفي بُعده العنصري كواحد من أبرز تعبيرات القهر، لا يقوم بأقلّ من شرعنة العنف، وتنظيمه في مؤسسات بنيوية، فضلاً عن تجريد العنف الشخصي الذي يمارسه المستعمِر/المستوطن من الطابع الفردي، وإسباغ الصفة القانونية عليه. الفكرة التالية هي أنّ العنف سمة محورية يومية في المجتمعات الغربية بصفة خاصة، لأنه يدخل في طبيعة الحركة اليومية للدولة، وللقانون، ولوسائل الإعلام، وللأديان، وللنُظم التربوية، ولعلاقات العمل، وللبيئة. وكانت العبارة التالية، في «معذّبو الأرض»، بمثابة صفعة قصوى في وجه مجتمعات الاستعمار القديم، وأوروبا عموماً: «دعونا لا نضيّع المزيد من الوقت في ابتهالات عقيمة أو محاكاة باعثة على الغثيان. دعوا أوروبا هذه حيث هي، لا تكفّ عن حديثها عن الإنسان، ولكنها تذبح الناس أينما ثقفتهم، في زوايا شوارعها هي، وفي زوايا شوارع العالم. هي أوروبا… التي خنقت الإنسانية بأسرها طيلة قرون، تحت ذريعة ما تسمّيه التجربة الروحية».

كذلك كانت فقرات بعينها من مقدّمة سارتر بمثابة صفعة أخرى: «حين يقول فانون إنّ أوروبا تسير إلى حتفها، فإنه بذلك يقدّم تشخيصاً سريرياً للمرض أكثر مما يطلق نذير الخطر. وهذا الطبيب لا يقول إنّ حالتها ميؤوس منها – إذ أن المعجزات تحدث هنا وهناك – ولكنه في الآن ذاته لا يمنحها وسيلة لعلاج نفسها. إنه يؤكّد أنها تحتضر، حسب الدليل الخارجي القائم على أعراض يستطيع ملاحظتها. أما العلاج، فكلاّ. إنّ لديه مشاغل أخرى يفكر بها، وهو لا يعبأ البتة بأسئلة من نوع: أين تعيش أوروبا، وأين ستموت. ولسبب كهذا، فإنّ كتاب فانون فضيحة. وإذا تمتم الواحد منّا، بمزاح وحرج: ‘لقد قام بالعمل نيابة عنّا!’، فإنه بذلك يكون قد عجز عن التقاط الطبيعة الحقيقية للفضيحة. ذلك لأنّ فانون لم يقم بأي عمل لنا أو نيابة عنّا، وكتابه هذا (الذي يراه البعض جمرة نار) بارد كالصقيع في كلّ ما يتصل بنا. إنه يتحدّث عنّا غالباً، ولكنه لا يتحدث إلينا البتة».

عبر المحيط الأطلسي، في الولايات المتحدة، كتب المحرر الثقافي لأسبوعية «تايم» الأمريكية: «هذا ليس كتاباً بقدر ما هو صخرة تُرشق على نوافذ الغرب. إنه ‘البيان الشيوعي’ أو ‘كفاحي’ لأطوار الثورة المناهضة للاستعمار، وهو بصيغته هذه شديد الأهمية لكلّ قارئ غربي راغب في فهم القوّة الوجدانية التي تقف خلف الثورة. ولكنّ قرّاء العمل الذي يعنونا بالفعل هم الزعماء القادمون في غابات وجبال أفريقيا وآسيا. وأفكار الكتاب وجدت، لتوّها، التجسيد الدامي على الأرض: مجازر سيمبا في الكونغو، وصرخات سوكارنو ضدّ ‘الاستعمار الجديد’». وبالطبع، لم يكن غريباً أن تلفّق الـ»تايم» في شخص فانون وكتابه مزيجاً عجائبياً من كارل ماركس وفردريك إنغلز وأدولف هتلر وأحمد سوكارنو…

من جانبه كان إدوارد سعيد، أحد أعمق لافتي الأنظار إلى تراث فانون ومكانته، قد توقف عند أهمية «معذّبو الأرض» فكتب سنة 1994 وضمن سياقات مناقشة مفهوم النظرية المترحلة: «منذ الصفحات الاستهلالية في الكتاب يتضح، مباشرة، الزخم الذي تُطرح به جدلية الذات – الموضوع خارج أوروبا ولجمهور يتألف من ذوات استعمارية. ومشروع فانون بأسره ينهض أولاً على إضاءة، ثم تجسيد، الفصل بين المستعمِر والمستعمَر (الذات – الموضوع) بهدف إيضاح الزائف والوحشيّ والمحتوم تاريخياً في العلاقة بينهما، وبهدف تحفيز الفعل والمضي به إلى مرحلة إسقاط الاستعمار ذاته».

وهكذا كان شهر كانون الأول، من السنة 1961، بمثابة شهر اختتام سجلّ نضالي حافل قاد فانون من المارتينيك إلى ليون الفرنسية وبليدة الجزائرية ومنوبة التونسية وأكرا الغانية؛ وشهر إغماض العين للمرّة الأخيرة على مسار شاء اختصاره، بنفسه، هكذا: «لستُ أنا الذي أصنع المعنى لنفسي، بل إنّ المعنى موجود أصلاً، وقبلي. ولكنه كان ينتظرني… وها قد جعلت من نفسي شاعر العالم».









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي