بين الموت غرقاً وميتات أخرى!

2021-12-11

غادة السمان

من زمان أيام كنت أقيم في بيروت، أعطتني إحدى الصديقات الطبيبات ورقة لأوقع عليها موافقتي على نقل قرنية عيني إلى محتاج لها بعد وفاتي لتعيد إليه البصر. وتحمست للأمر، بل تحمست للتبرع بأعضائي كلها بعد موتي لمن يلزم. لكنني مع مرور الأيام بدلت رأيي نهائياً، لماذا؟ لأنني صرت أقرأ الأخبار عن أشخاص توهم الأطباء أنهم ماتوا وكانوا على وشك دفنهم أو تشريحهم حين اكتشفوا أنهم مازالوا أحياء!

ليلة في المشرحة ثم الحياة!

وآخر هذه الحكايات قرأتها في منبر أثق في أخباره، والخبر عن رجل (45 سنة) في الهند (أعلنت وفاته بعد تعرضه لحادث مروري وأمضى ليلة في المشرحة) وقبل البدء بذلك، تبين أنه ما زال على قيد الحياة! وذلك يمكن أن يحدث لي ولك. ومن طرفي، بدلت رأيي وقررت أنني لا أريد التبرع بأي من أعضائي، لأنني لا أحب أن أستيقظ في قبري وقد فقدت عيناً أو كلية مثلاً!

نهاية التبرع بالأعضاء؟

لست وحدي التي تطالع أخباراً كهذه تخيفها، إذ لا يحب أحد أن يستيقظ في قبره بعد دفنه حياً لغلطة طبية في التشخيص ويجد أنه فوق ذلك فقد عيناً أو عضواً آخر من جسده. مدير المستشفى الذي كاد يتم تشريح الرجل الحي فيه، قال إن ما حدث «معجزة» وهي عبارة تخفي بها الأغلاط الطبية بكل بساطة… ووداعاً للتبرع بأعضائي، وأفضل أن أدفن دفعة واحدة، وإذا استيقظت في قبري أجد أعضائي كلها بلا انتقاص منها بدعوى التبرع ببعضها.. ويكفي الرعب من الاستيقاظ حية في قبر!

ضد قانون يظلم الصغيرات

لم أكن أدري أن قانون العقوبات العراقي (المادة 398) يعفي المغتصب إذا تزوج من الضحية. وأتفق بلا تحفظ مع النسويات الرافضات لتزويج المغتصب من (الضحية) بحيث يتم العفو عن جرمه (الاغتصاب!) وأقف أيضاً دون تحفظ ضد تزويج بنات 12 سنة. هذا ليس زواجاً، بل هو جريمة اغتصاب سواء عقدها رجال دين أم لا. وقرأت أن الناشطات النسويات وقفن ضد ذلك.

ماتت ومات بعض لبنان!

كان ياما كان..

كانت بيروت عاصمة للنشر العربي، حيث تتقن طباعة الكتب الراقية وتوزيعها، وكانت عاصمة الصحافة الراقية.. ولذا حزنت حين ماتت صحف ومجلات كثيرة عديدة كانت تصدر في لبنان وتوقفت عن الصدور.. وأذكر على سبيل المثال الصحف والمجلات التالية: السفير، الصياد، الأنوار، المستقبل، الأسبوع العربي، الحوادث، البيرق، الشبكة، الكفاح العربي، الدايلي ستار، وسواها كثير.. وبوسعي أن أذكر بعض أصحاب الصحف اللبنانية الذين ماتوا قتلاً، كرياض طه (الأحد ـ الكفاح) وكامل مروة (الحياة). الصورة محزنة وغير مشرقة، وكأنها مؤشر غير متفائل على مستقبل لبنان الحبيب.

65 فكرة لإجازة في «البيرينيه»

وصلني مجاناً كراس ملون جميل الطباعة يغري بقضاء الإجازة في منطقة «البيرينيه» في جنوب فرنسا.. وتذكرت لبنان الجميل (القتيل) الذي أضحى مكاناً للتناحر وربما لحرب أهلية جديدة.

تصفحت الكراس الجميل الملون وتخيلت ما يشبهه لكن عن لبنان، الذي لا يقل جمالاً طبيعياً عما في كراس الدعوة للسياحة في جنوب فرنسا، منطقة البيرينيه. لكنني شاهدت على شاشة التلفزيون الفرنسي (القناة 5) برنامجاً وثائقياً أعدته ميلاني تارافانت وألفريد مونتسكيو، يتحدث طوال ساعتين عن لبنان (قلب الفوضى) كما يدعونه.. ويتساءل: لماذا تسوء حال لبنان؟ ذلك الشعب اللبناني الذي كان يتمتع بالرخاء وصار رهينة مشاكل الشرق الأوسط وحروبها؟ وحزنت حقاً، فأنا سورية أحببت لبنان الجميل، وأحزن حين أرى برنامجاً متلفزاً في التلفزيون الفرنسي (القناة 5) ويدوم ساعتين.. وأعتقد أن لبنان يستحق أن يعود سويسرا الشرق، وأن يحمل لقبه القديم هذا. حين وصلت من دمشق إلى بيروت للدراسة في الجامعة الأمريكية فيها، كان لبنان عاصمة للجمال والأمان والنشر والإبداع، ولذا يتضاعف حزني لما يدور اليوم في هذا الوطن الجميل كما كان.. وأتخيل كراساً سياحياً عن لبنان كهذا الذي عن منطقة «البيرينيه» في فرنسا، وتراودني نفسي للكتابة على كراس كهذا عن «لبنان كما عرفته» وطفت فيه قبل الحرب الأهلية والانهيار المالي والانهيارات كلها التي يعاني منها لبنان هذه الأيام.. حتى العجز عن الاستمتاع بالتيار الكهربائي، والافتقار إلى الأدوية في الصيدليات، وسقوط الليرة اللبنانية قياساً إلى الدولار، والكثير من الانهيارات المحزنة…

ترى، هل ينجح لبنان في مغادرة هذه الكوارث كلها والعودة إلى العافية، أم أن الأحزاب المتعددة المسلحة صارت تجد في هذا الوطن الجميل مرتعاً لإشعاله إكراماً لبلدان أخرى؟ حمى الله لبنان من الشر الذي ينبت فيه، فهو لا يستحق ذلك.

الحلم الرغد حتى الموت

كلما قرأت عن غرق قارب من (قوارب الحظ) بركابه حزنت كأنني الأم لأولئك الشبان كلهم بعدما غرق بهم قاربهم وكانوا يريدون الهرب به إلى الحلم بحياة رغدة تختلف عما يعانونه في أوطانهم. وآخر ما قرأته عن ذلك غرق 31 مهاجراً إلى (الحلم الرغد) حتى أن رئيس جمهورية فرنسا قال مستنكراً: لا نريد أن يصير بحر المانش (بين فرنسا وبريطانيا) مقبرة. والحل واضح، وهو جعل بلداننا مكاناً صالحاً للعيش، بحيث لا يهرب المرء منها في قوارب خطرة إلى أوروبا.. فأنا لم أسمع يوماً (بقارب حظ) غادر أوروبا إلى بلادنا العربية حلماً بحياة أفضل. وأتساءل أيضاً: لماذا لا تتم معاقبة الذين يتقاضون المال مقابل كل راكب في قواربهم، ولا يزودونهم على الأقل بأطواق النجاة؟ سيموت الناجون برداً؟ هذا صحيح إذا لم يجدوا في الغرب دوريات تنقذ الذين على وشك الغرق.

مات الشاب وجن والده!

كدت أنسى أن أحدثكم عن مخاطر زرع أعضاء الأحياء كهدية لأهلهم. هذا أستاذ جامعي في بلد عربي، الدكتور م.س أصيب بقصور قاتل في كليته، فتبرع له ابنه الشاب بكلية منه. وكرهناه حين قبِلَ ذلك. لكن القدر سخر منا، إذ قتل ابنه الشاب في حادث مروري، وبقي الأستاذ الجامعي حياً بفضل كلية ابنه. لكن المسكين أصيب بالجنون.

وأظن أن الاستسلام لمشيئة الخالق وقت الموت هو الأفضل.








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي