فلسطين في القلب التّونسي

2021-12-09

إبراهيم نصر الله

في حالات كثيرة يفاجئنا ما كنا نخشاه أنه كان أطيب مما توقعنا. السفر في زمن كوفيد يجيء على رأس المخاوف في زمن التباعد والخوف من المرض.

بعد عامين من الإقامة، كانت رحلتك الأولى عبر مطار عمّان إلى تونس هادئة، بل مثالية، لا اكتظاظ في قاعات المطار ولا صعوبة في الإجراءات الصحية والأمنية، أنت الذي كنت أشبه بمن يفتح الباب بصورة مواربة، وينظر خائفاً إلى الخارج ليطمئن أن الحرب انتهت.

لم تنته الحرب، لكن المعارك هدأت إلى درجة تستطيع معها أن تضع قدمك على العتبة، غير خائف من أن يبتلعك ذلك الثقب الأسود الذي ابتلع العالم عامين كاملين بالخوف والمرض والموت.

كان هناك ثلاثة فلسطينيين، فتحوا الباب وخرجوا، لكن ثقباً أسود صغيراً في المطار كان في انتظارهم؛ له علاقة بالأوراق اللازمة لوصولهم إلى وجهتهم، ووجهتك: تونس.

كان «عبد الفتاح دولة» الأسير المحرر، الروائي، الخارج من السجن بعد اثني عشر عاماً هو الأكثر هدوءاً. فأن تعيش أسيرًا كل هذه المدة، يجعلك أقل توتراً وأنت تنتظر في قاعة المطار ساعة أخرى، إذ طالما انتظرت شيئًا ما خلف هذه القضبان، لم يأت لسنوات طويلة. لكن الأمور حُلّت، بعد عدة اتصالات مع تونس، في الساعة الخامسة والنصف صباحًا بتوقيتها.

استيقظ مدير بيت الرواية لسعد بن حسين، استيقظ مدير مكتب الطيران، وتمت تسوية حالة الارتباك واحتمالات إغلاق الباب الأخير؛ بعد اجتياز عتبات يقف أمامها جنود احتلال مدججين بكل ما يحيل الحياة إلى جحيم.

بالنسبة إليك، منذ عشرين عاماً لم تزر تونس.

لا يمرُّ الوقت بسرعة

نحن الذين نمرّ بسرعة

في الطريق إلى هناك، كانت الروائية الشابة «ثورة حوامدة» الفائزة بكتارا 2018، الأكثر انطلاقاً، تقرأ رواية لك وتناقشك فيها، كانت على يقين من أن «تحت شمس الضُّحى» كُتبتْ حديثًا عن زكريا الزبيدي، ومندهشة لأن بطل الرواية يشبهه، حتى بقدمه المصابة، وفضاء وجوده، والمسرح. أخبرتها أن الرواية نشرت قبل سبعة عشر عامًا. لكنها بعد صمت قالت لك: أكاد لا أصدق، إنه هو، كلما تقدمت في الرواية أكثر لا أرى في بطلها إلّا زكريا.

سلّمتَ أنه زكريا، وأوضحتْ هي أن الكاتب يمكن أن يلتقي أحيانًا أناسًا، ويكتشف أنهم أبطال رواياته. وهذا ما يحق للقراء أن يكتشفوه أيضًا.

طاقة «ثورة» استثنائية بروحها الطيبة واندفاعها للمعرفة، خلافاً لكثير من الكتاب الشباب الذين كلما التقى المرء بواحد منهم جادوا عليه بسيل من النصائح التي عليه اعتمادها كي يكون كاتبًا جيدًا مثلهم.

كم من موهبة قتلتْ نفسها لهذا السبب في السنوات الثلاثين الماضية! ثورة، الفلسطينية، المقيمة في تونس للدراسة، ستؤكد فيما بعد أنها فرادة إتقانها للهجة التونسية؛ ستسرون كثيرًا وأنتم ترونها تفاوض البائعين كلما أراد أحدكم شراء هدية تذكارية. البائع سيقول لكم، وقد منحكم تخفيضًا:

– هذا والله من أجل ابنة تونس التي معكم!

وحتى حين لم يكن أحدكم يريد شراء شيء ويقف خارج الدكان، يندفع إلى داخله ما إن يراها تفاوض، فقط، ليستمتع بإدارتها للحوار.

أربع ساعات طيران مرت بسرعة، كما لو أن الوقت لم يستطع الصمود أمام اندفاع رياح حماسة ثورة؛ اسم على مسمّى، التي كانت تريد أن تستغل اللقاء بطرحها كل الأسئلة التي تدور في رأسها حول دهاليز الكتابة، أزمنتها وشخصياتها، وكل ما هو مثير فيها. وبينكَ وبينها تجلس الشاعرة إيمان زيّاد، في مهبّ سؤال يجيء، وإجابة تحاول اللحاق به. إيمان التي جاءت إلى مؤتمر «تحولات الرواية الفلسطينية» لتقدم تجربة الكتّاب الفلسطينيين الأسرى «بإيمان» وصفاء. وبعد قليل سيصل على متن طائرة أخرى الروائي ناجي الناجي الأصيل المُحبّ، والدكتور يوسف حطّيني الناقد والموسوعي الشاعر والقاص، الدمث، وتغريد عبد العال الشاعرة الفائزة بجائزة عبد المحسن قطان، وأمامكم سيكون هناك الروائي القاص المخضرم توفيق فياض الذي سيكرِّمه الملتقى.

لم يسبق لك أن التقيت بمدير ملتقى لا يفارق ضيوفه، منذ أن يستيقظوا إلى أن يناموا، مثلما يفعل لسعد بن حسين مدير «بيت الرواية» أو حظيتَ برعاية متفانية مثل تلك التي توليها الأسرة الرائعة لهذا البيت، للضيوف، فلسطينيين وتونسيين.

في كل مكان سهرتم فيه، جلستم مع أصدقاء عثرتم عليهم دون اتفاق مسبق، وكل هؤلاء تبين خلال السهرة أنهم كانوا رائعين: ممثل مسرحي، ممثلة مسرحية، شاعر منتفض لأن امرأة تضع الحطة الفلسطينية على كتفيها، تبين له أنها تعمل مع الأمريكيين، موسيقي رائع لم يتوان عن غناء قصائده التي لحّنها لشعراء فلسطينيين ببناء سيمفوني، للحق، مدهش، عبَّرت عنه حركة رأسه وهو ينخفض ويعلو، بينما يداه تطرقان خشب الطاولة إيقاعًا.

مفرحة كانت دائمًا لك، تلك العلاقة التي تجمع فنانين يعملون في حقول مختلفة مع الأدباء؛ دائمًا يكونون أكثر غنى وتواضعًا وقدرة على بناء العلاقات، وإشاعة جو من البهجة القلبية والمعرفية فيمن يلتقونهم.

منذ وصولك أخبرتَ ثورة، وأخبرت محمود الأطيب من بين من رأيت من بشر، الممتلئ بفلسطين وحبها، أن لديك أمنية لحضور حفل أحباء الشيخ إمام الذين يكرسون جهدهم لتقديم إبداعات إمام في «فضاء مسار».

كنت تعرف أن الأمنية صعبة، فهم يقيمون حفلاتهم في مواعيد منتظمة، لكن الأمل لم يفارقك وأنت تنتظر نتيجة السَّعي.

بعد ساعتين، حين دخلت قاعة الفندق كانت يد محمود ترفرف بسعادة، وابتسامته باتساع ابتسامة كل من حقق نصرًا.

– إنهم سعيدون بإقامة حفل خاص غدًا في السادسة مساء.

إذا سألك أحد عن السبب الذي دفع أمنية كهذه أن تورق في داخلك، ستجيب: إنها الطريقة الفريدة التي تُقدَّم فيها أغنيات الشيخ إمام؛ جمهور الحاضرين هم أجمل جوقة رأيتَها تغني على المدرجات الخشبية الأشبه بحديقة غناء مُعلّقة، وعلى الأرض أيضًا، بلا مقاعد. هنا لا وجود للمغني أو المغنية، فكل من في القاعة يغنّون معًا. ستنتقل فتاة رائعة تجلس بين الجمهور بجانب العازفين من مشاركةٍ في الغناء الجماعيّ إلى مغنية، لتغني أجمل أغنيات الشيخ إمام التي تحبُّها «أنا أتوب عن حبك أنا» لكنها أيضًا ستغدو واحدة من الجوقة، حين ينطلق الجمهور للغناء معها. هنا يكمن سحر الجمهور الأجمل، الذي ذكَّرك بجمهور مخيم البقعة الواقع على الطريق بين مدينتي عمّان وجرش، حينما أُطفئت الأنوار وانقطعت الكهرباء بفعل فاعل، فانطلق الجميع يغنون بعد أن أشعلوا ولاعاتهم، في زمن لم تكن فيه الهواتف المحمولة قد ولِدِتْ، ليغنوا معًا:

علِّمونا كيف نصنع من ظلام الليل شُعلةْ

علِّمونا كيف نجني من جراح القلب فُلَّةْ

في تلك الاحتفالية الغنائية التونسية التي استمرت أكثر من تسعين دقيقة، اجتمعتْ هناك أجيال جديدة تحبّ الحياة وتعانق الفرح وتحميه. وبعـــد: في تونس، تشتاق لتونس قبل أن تغادرها.








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي