شموس نحو «الأدب العربي» في ارتريا 

2021-12-08 | منذ 1 شهر

اشراقة مصطفى حامد

كان ويظل حلما أن أساهم بعكس الأدب المكتوب باللغة العربية في افريقيا مثالا: ارتريا/ السنغال/ تشاد.

العربية لغتي الأم التي أعشق

افريقيا أمي

الوطن العربي أبي

سودانية ألهمتها العناكب وخيوط فساتين الأمهات وعطر الكتب بين يدي أبي، من هنا جاء إيماني بالأدب ودوره في حياة الإنسان؛ يرافقه خطوة خطوة، نبضة نبضة.

الأدب الذي ينعتق من جدران الصالونات ويلتحم بالإنسان وهمومه

لا أؤمن بالحدود.. وكثيرا ما تأمّلت مقولة جدتي: أرض الله واسعة. فعلا واسعة ولكن ضيّقها أصحاب السلطات بجبروتهم وأنانيتهم.

أعايش أحوال شعوبنا.. أشواقهم للحرية والعدالة والسلام النفسي أحوال

تغرّبهم وتغييبهم في بلادهم. أؤمن بقدرة الفنون في النفاذ إلى جوهر القضايا، أؤمن بالقصيدة التي تعادل البارود وقهر الأنظمة الاستبدادية؛ القصيدة التي لا تتشكل في حناجر الناس لا تعنيني.. اللوحة التي لا تشهق أرواحهم فيها باهتة، والأغنية التي لا تلامس الوجدان مشروخة.

كيف لي إذن أن أساهم؟

هل ستقف الجغرافيا بيننا؟

إريتريا التي أحب أسمرا التي في جمال روما، فهي نبض مميز في الحياة.  بدأت علاقتي بها إبّان عملي محاضرة غير متفرغة في جامعة فيينا في كلية العلوم السياسية في 2004 حيث تناولت في السمستر الشتوي في العام ذاته: تحليل وضع النساء في مناطق الحروب والصراعات المسلحة. القرن الافريقي/ العراق وأفغانستان كنموذج. تناولت مجموعة من طالباتي وطلابي إريتريا كنموذج من القرن الافريقي. ظل إنسان إريتريا يلازمني كظلي. في لجنة الدفاع عن سجناء الضمير في إعادة تكوينها بالقلم النمساوي كان لي شرف أن أكون ضمن الفريق، وكنت المهاجرة الوحيدة حينها.. أجلس وفي قلبي تنبض بلاد وبلاد. طرحت أحوال الكاتبات/ الكتاب؛ الاعلاميات والإعلاميين في إريتريا… المختفين منذ 2001 ولا يعرف عنهم أحد ما إذا كانوا أمواتاً أم أحياء. اقترحت أن نختار أحد المختفين قسريا كعضو شرف بالقلم وعبره نعكس ما يحدث لسجناء الضمير. وبعد تفاكرات عديدة تم ذلك، ومشينا الخطوة الأولى.

استثمرت قدراتي بإلهام من العناكب في التشبيك، وتفجرت طاقاتي بترجمة أول مجموعة شعرية للشاعر والمفكر الإريتري السوداني محمد مدني «نافذة لا تُغري الشمس» بالتعاون مع الشاعر هيلموت نيدرلا مدير القلم النمساوي وكذلك رواية «تاتينكات افريقية» للروائي الإريتري أبوبكر كهال بالتعاون مع الشاعر النمساوي كورت سفاتيك. تمهيداً لتعريف الجمهور النمساوي بهذه البقعة الساحرة المنسية، أجريت حوارا مع الناشطة آمال علي المقيمة في بريطانيا ونشر في مجلة «التضامن النسوي» النمساوية. أوضحت في الحوار الكثير من التفاصيل ودعوتها للمشاركة في اليوم العالمي للدفاع عن سجناء الضمير، وجاءت على نفقتها لأجل إعلاء صوت المنسيين. عبر آمال بدأتُ التشبيك مع شبكة المرأة الإريترية، وهذه عوالم من الوعي والمعارف والاستنارة. مدرسة فريدة من الجمال والمقاومة لأجل حياة تليق بالإنسان.

في 16 سبتمبر/أيلول 2016 تمت دعوتي لأشارك في مؤتمرهن العالمي في روما الساحرة. اليوم الذي صادف يوم ميلادي وأهدتني الشبكة ميلاداً جديداً، ميلادا لمسؤولية كبيرة أن أستمر في دروب الكونية حين منحتني عضوية الشرف. لم أحس بأني غريبة، بل أصابتني الأسئلة بعصف ذهني عن الحدود المتوهمة ويصدح صوت جدتي: كل الأرض بلاد الله.

وتحقق الكثير إلى أن جاء يوم استدفأت به مساءات فيينا بملامح من قرننا الافريقي، ملامح أليفة قاسمها الوطن إريتريا. جاءت الناشطات وجاء الناشطون من دول عديدة (بريطانيا/السويد/ألمانيا/ أمريكا وسويسرا)… وأنا أحلم أن نحتفي قريبا في أسمرا. وصدحت معاني الكلمات في معرض فيينا للكتاب الدولي بقراءاتٍ على أكبر منصات المعرض. الشاعرة والناشطة الإريترية فاطمة موسى كانت حاضرة ونحلاتها في كل الأشجار. فاطمة التي بادرت بتكوين اتحاد للكاتبات والكتاب الإريتريين في المهاجر وورطتني ببحر لا حدود له من المحبة، أن أكون ضمن اللجنة التمهيدية التي تكون منها الاتحاد مطوقة جيدي بهذه المسؤولية كعضو شرف لاتحادهم المولود بأسنان الخبرات والتجارب. بهجة التشبيك تجلّت في قراءة بعض من قصائد الشاعر محمد مدني، التي صدح بها الشاعران طلال مرتضى وعلي الحسن، وتقاطعات دروب الشام مع أسمرا وهنا أصابتني لوعة التشبيك بمسرات الروح. وفي المقابل تمت قراءة النصوص ذاتها بالألمانية.

تمت قراءة أمواج متلاطمة… أقصد كلمات تلاطم الوعي بمن غرقوا في الأبيض المتوسط بحثا عن ملاذ: رواية «تاتينكات افريقية» للروائي الإريتري أبوبكر كهال. كان مهرجانا للتشبيك… من إريتريا.. سوريا.. النمسا وجميعهم في قلب السودان. هذا مؤشر على قدرة الأدب على النفاذ إلى جوهر الإنسان، إنها مصائرنا المشتركة.

صوتنا العالي لأجل الإنسان هناك

هنا حيث تضج أنفاسهم: المنفيون والمنفيات.

نافذة الشاعر محمد مدني أغرت فيينا نحو نوافذ البيوت في إريتريا

واستمرت التراجم: مجموعة شعرية ضخمة لسجين الرأي الإريتري إسحق من الإنجليزية إلى الألمانية وقام بها وولف جانج مارتن ومجموعة شعرية لهيلين كيدن قام به هيلموت نيدرلا.

تضيء كل هذه الإنجازات مكتبتي وأحس بأن الاعتراف ليس بحصاد الجوائز والميداليات، إنما الاعتراف بالإنسان.. الإنسان مشروعي الكوني.

كاتبة ومترجمة من السودان







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي