«النهضة العربية» المشروع المستحيل؟

2021-12-08 | منذ 1 شهر

واسيني الأعرج

مؤتمر قرطبة الأخير (25-29 نوفمبر / تشرين الثاني 2021) الذي نظمه معهد الدراسات الإبستيمولوجية (IESE) في بروكسل، بالتعاون مع جامعة فيرفاكس الأمريكية، واختار له حاضرة «قرطبة» كرمزية نهضوية كبيرة في وقتها، كان لحظة تأمل حقيقية في النهضة كمفهوم، ولحظة تاريخية على حافة السؤال الدائم والقلِق. عن أي نهضة نتحدث، تلك التي تمت؟ وهنا يصبح المفهوم مرتبكاً، لأن المفترض نهضة، لم يكن كذلك. أم تلك التي ظلت معلقة تاريخياً؟ ولم ترتقِ في اتجاه إحداث القطيعة التي كان يمكنها أن تتحول إلى نقلة نوعية كما حددها ميشيل فوكو في تأطيراته النظرية عن الاستمرارية La continuité واللاستمرارية La discontinuité التي بناها على أعمال جورج كانغيلهيم الذي استطاع أن يحلل التحولات والتنقلات والتغيرات، ويختبر مفاهيمه داخلها، من بينها مفهوم النهضة الأوروبية أو الولادة الجديدة (La renaissance) الذي يقترب من المفهوم العربي «الإحياء»، ويعني منح الحياة الجديدة لشيء مات وكاد ينتهي. الغرب ذهب نحو الميراث اليوناني بوصفه الميراث العقلاني الأول، المرجعي، الذي كان للعرب اليد البيضاء في إيصال جزئه المهم إلى الغرب، كفكر، كفلسفة دون أن يتحول عربياً إلى حقيقة تتوغل في آلة الحكم ونظمها، إذ ظل النظام العربي والإسلامي أوتوقراطياً في مساره العميق، يتحكم فيه الفقهاء ورجال الدين الذين ظلوا يبررون الحكم وطبيعته، مستندين إلى مفاهيم إسلامية تم تأويلها وفق مقتضيات وحاجات الحاكم، ولم يمس الجهد الفكري والثقافي للعلماء طبيعة الحكم في جوهره. لهذا، كلما شعر الحاكم بخطر الفكر الذي يشتعل في المجتمع، لا يتردد في حرق المؤلفات العقلانية، المبشرة بغير السائد، أي المحدثة للقطيعة الافتراضية، مثلما حدث مع ابن رشد الذي أحرقت كتبه، ومع ابن حزم الأندلسي الذي لم ينج من المنافي والمطاردات. فقد ظل النظام فوق سلطة الثقافة التي كلما نهضت تم ردمها، ولم تدخل في عمق الممارسة السياسية لتحويلها. لهذا استمر النظام إلى اليوم بمنطلقاته ومنطقه نفسه، على الرغم من أنه تسبب في خراب كبير في المشرق من خلال الدولتين الكبيرتين الأموية والعباسية، وفي بلاد غرب الإسلام التي جعلت من الفلسفة والمعطيات الثقافية والحضارية هدفاً من أهدافها، لكنها ظلت، للأسف، في دائرة المناقشات الفكرية والتأملية ولم تحدث توصيفات ابن خلدون أثرها المبتغى. على العكس من الغرب الذي انتقل بهذه الأفكار نحو عمق النظام وأحدث قطيعاته وجعل من لااستمرارية الأنماط السلطوية المتسيدة هدفاً من أهدافه المركزية. فكانت حقبة القرون الوسطى (بالمفهوم الغربي) ميدانه الاختباري، ووسيلته، ليس فقط لإعادة النظر في سلطة الكنيسة بتوقيف هيمنتها وحصرها في الدين بمعنى القناعة الفردية، ولكن أيضاً نزع السلطة السياسية منها وإنزالها من سماء وهمية كان يتخفي الحاكم وراءها برضى الكنيسة، نحو أرض كان يصنع البشر كوابيسها وأحلامها. أي أن اللاستمرارية والقطيعة لاحقاً، مع الممارسة الدينية المهيمنة، جاءت كضرورة للانتقال بالمجتمعات والتاريخ نحو لحظة أخرى اتسمت بتحرير الإرادات البشرية من خلال خيار «العلمانية» أو فصل الدين عن الدولة: «ما لله لله وما للقيصر للقيصر»، وهي الخيارات التي طلت بعيدة عن الحاكم العربي المسلم الذي اختار استمرار التوليف بين الدين ومتطلبات المجتمع، معتمداً كلياً على تبريرات الفقهاء. لأن الحاكم عموماً، كما في الكنيسة، يتخذ شرعية حكمه من الدين. والقطيعة الصارمة سمحت للغرب بتحقيق القفزة النوعية. موضوعة التغيير حسب مقولات فوكو في تاريخ الجنون، أو الكلمات والأشياء، لا يمكنها أن تنتج عن مسار مستمر للتاريخ، ولكن من لحظة «القطيعة»، «القفزة» «اللاستمرارية»، أي الانتقال من إيبيستمياء épistémè إلى أخرى تتهاوى فيها الممارسات القديمة، وتطل أشياء جديدة تتضح عبر التاريخ.

واضح إذن أن النهضة الأوروبية لم تأت بعصا سحرية، فقد استمر المخاض طويلاً، من خلال حروب دينية مدمرة سرعان ما استسلمت للقادم الجديد: العقل الحي. هذه القطيعة أو القفزة، أو اللاستمرارية، غابت في لحظة النهضة العربية. السبب قد يكون معقداً. عنصران يظهران بوضوح؛ أولاً محتويات القرون الوسطى الغربية لم تكن هي نفسها محتويات القرون الوسطى العربية، تراكماً وفكراً، حتى ولو ظل الأمر تجريدياً. فقد وصلت الكنيسة إلى أوجها في التسلط والحكم المطلق، والحرق أيضاً (ديوان محاكم التفتيش المقدس) ومحاربة دموية لكل ما له تماس مع العقل الحي والمتنور، حتى كُتب أرسطو لم تنج من فعل الحرق autodafé الذي تحول إلى قوة رادعة، إلا بفضل شروحات ابن رشد. في الفترة نفسها، كانت النقاشات الفكرية والفلسفية في أوجها في الأندلس، وفي غيرها من الأمصار. وكان للعلماء «حظوة» نسبية قياساً بما كان يحدث في الغرب، وإن لم تنج المؤلفات العظيمة من الحرق. هذه الممارسة منعت من تكوين فكرة صحيحة ودقيقة عن النصوص المؤسسة تاريخياً في المجتمع الإسلامي، بما في ذلك النص القرآني بعد أن جمعه الخليفة عثمان بن عفان وأحرق النسخ الأخرى، بالخصوص بعد الفتوحات، درءاً لأية شبهة. واستمرت هذه الممارسة كفعل يقصد من ورائه «تفادي الفتنة». لهذا، حينما قفزت أوروبا نحو حقبة جديدة، بالقطيعات التي انبثقت عنها لحظة نهضة كبيرة وثقها المال الذي أصبح في مرمى القوة الأوروبية التي استولت، بعد حروب الاسترجاع reconquista على مصادر المال (اكتشاف أمريكا وما تلاها من مجازر وتقتيل وإبادة شعب الهنود الحمر، وتمسيح أمريكا الجنوبية، يضاف إلى ذلك العبودية التي أصبحت سوقاً رائجة تحسنت من ورائها الزراعة «وأنزل الإنسان» كقيمة نحو الحضيض) لكن العقل ظل يشتغل قبل أن يرتقي بالإنسان نحو التطور وتعديل القوانين التي جعلت من الغرب ليس فقط قوة حقيقية، واستعمارية لاحقاً، ولكن أيضاً خزاناً علمياً. كل هذا ظل مغيباً في منظومة الحكم في المجتمعات العربية الإسلامية، وتوزعت «النهضة» أو ما سمي كذلك، على مناحٍ عامة ظهرت فيها ثلاثة تيارات واضحة: تيار أول ناصَر فكرة تقليد الغرب، في تحرير الحكم الأوتوقراطي من العامل الديني، ووضع الدين في خانته الطبيعية المرتبطة بالأفراد، وإدارة الدولة خارج المعطى الديني، لكن هذا التيار ظل معزولاً وغريباً، بل وكثيراً ما اتهم بالكفر والإلحاد والشيوعية والليبيرالية العميلة. حتى عندما انفتح قليلاً، ظل موضع اتهام بالتبعية للغرب على الرغم من أن محاذاته للغرب أعطت السينما، والمسرح، والنشاط الفكري والفلسفي، وإن ظل في دائرة النخب قبل أن تعوضه الانقلابات والوطنيات الصغيرة والقوميات المهزوزة التي ظلت تخفي وراءها رغبة مرضية في الحكم. أما التيار الثاني المسمى الوسطي، أي إصلاح ذات البينين، كان وراءه مصلحون معروفون: جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضى وغيرهم، الجمع بين الدين والمنجز الغربي، لكن هذا الجمع الافتراضي ظل يدور في النهاية داخل دائرة شبيهة بالعدمية، لم تحقق أي قفزة نوعية، إذ كلما اصطدم الإصلاح الديني بالمجتمع، بدل إحداث القطيعة مع المعوقات، تنتصر الدوغما الدينية، ويهزم المجتمع وتتعطل النهضة المفترضة أكثر. لم يبق من هذه الوسطية اليوم الشيء الكثير كفاعلية نهضوية، سوى تعطيل القطيعة واستمرار نظام السلطة كما كان. غالبية النظم العربية تسير اليوم على هدي هذا التصور. وتيار ثالث إرجاعي سلفي، ظل وما يزال يرى أن سبب تخلف المسلمين ونظام الحكامة، هو الابتعاد عن الدين، والحل الأوحد هو العودة إلى إسلام السلف الصالح، ومجتمع الخلافة، لبناء مجتمع حقيقي. انتهى هذا التيار إلى التطرف والعنف. هذا التيار لا يرى منقذاً آخر إلّا العودة إلى الإسلام الأول، في غياب كلي لنقد تجربة الحكم في العهد الإسلامي. باستثناء فترة النبوة وأبي بكر الصديق الذي لم يحكم طويلًا، كل ما جاء لاحقاً كان عبارة عن فتن مدمرة، بُررت شرعية؟ الحكم أكثر من فكرة الحكامة الجديدة (مقتل كل الخلفاء: عمر وعثمان وعليّ، وتشريد آل البيت، ومقتل أحفاد الرسول بالخصوص مأساة الحسين، وغيرها). إلى اليوم، ما تزال لقمان على حالها في غياب القطيعة مع الأنماط البالية التي انتهت صلاحيتها. فقد تم محو التيار الأول بتشريد مفكريه نحو المنافي، أو مطاردتهم، وظل خياراً مستحيلا وغير مقبول حتى بالنسبة للغرب الاستعماري الجديد نفسه، الذي أصبح يرى فيه خطراً توعوياً قد يضرب مصالحه. التيار الوسط كان الأقدر على الاستمرار لأنه بين البينين، كلما فشل اجتماعياً واقتصادياً، كان الدين وسيلته للتبرير. أما التيار الثالث فقد أصبح اليد الثالثة التي يتم من خلالها تدمير أي تجربة حداثية، مهما كانت نقائصها (الجزائر، مصر، سوريا، اليمن، تونس، العراق…). ما يزال المشهد على حاله حتى اليوم، وتظل النهضة العربية بمواصفاتها المذكورة، مشروعاً عربياً مؤجلاً، وربما مستحيلاً.







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي