الحياة روايات فلنكتبها!

2021-12-04

صورة توضحية (وسائل التواصل)

غادة السمان

لطالما سألني بعض القراء الأعزاء: من أين تستوحين رواياتك؟

ولطالما قلت لهم إن كل ما على الكاتب هو أن ينظر حوله جيداً لما يدور في الحياة، ويكتب (إذا كان موهوباً). وأكتب على سبيل المثال، ما شاهدته اليوم في أحد مطاعم ساحة «التروكاديرو» في باريس، وكنت مع إحدى صديقاتي ولاحظت على الطاولة المجاورة وجود رجل تجاوز الخمسينيات من العمر يغازل صبية صغيرة تتناول الغداء معه، ويكاد يقبلها، وهو أمر عادي في معظم مطاعم باريس.

وفوجئت بأنني عرفته! بعد أكثر من ربع قرن بكثير، لم أره خلالها، عرفته.. التقيته للمرة الأولى في دمشق، وكان والده ووالدي من أعز الأصدقاء، وكنت أرافقه حين يزورهم، وهكذا تعرفت بالابن ش.خ.

الزمن أستاذ كتابة الرواية

ومرت الأيام، ووجدت نفسي في باريس بعد موت والدي. والتقيت ش.خ وكانت ترافقه خطيبته الفرنسية الرائعة، ويبدو مغرماً بها. وحضرت حفل زواجهما، بعدها طرت إلى لندن حيث كان أخي يدرس ويقيم، ومرت الأعوام. وكما ذكرت، كنت أتناول طعام الغداء في أحد مطاعم باريس في حي «التروكاديرو» حيث شاهدت ش.خ على الطاولة المجاورة رجلاً بلحية، يغازل صبية جميلة صغيرة عربية الملامح ترافقه. كان مشغولاً بمغازلتها حتى أنه لم ير من حوله. وقبل أن أتردد في تذكيره بزوجته وغرامهما والسؤال عنها، غادر المطعم مع الصبية الصغيرة التي ترافقه، وترك لي موضوعاً لرواية سأكتبها إذا وجدت الوقت لذلك!

لكن مشهد ذلك الشامي الفرنسي العاشق يوماً ما لفرنسية تقاربه سناً، وعشقه اليوم لصبية صغيرة عربية الملامح، جعلني أتساءل: هل يخون زوجته الفرنسية حنيناً إلى أصوله الشامية؟ أم إلى خائن محترف؟

الموضوعات الصالحة لكتابة رواية أكثر من الروايات التي صدرت منذ قرون، ويبقى السؤال: هل الكاتب موهوب ويعرف كيف يرسم الأحداث ويسيطر عليها مسبغاً عليها العمق الإبداعي؟

رواية «الحمقى» في الأعياد!

ها هي باريس ترتدي أجمل حللها الضوئية بمناسبة عيد الميلاد المجيد والسنة الجديدة.. وها هو جاري برج إيفل يشع بأجمل زيناته.. لكن أضواء العيد في القلب الغربي باهتة، بعدما مر وباء كورونا ولم يغادرنا على الرغم من التطعيم الذي يرفضه البعض لسبب ما، وهو فكر خاطئ، لكن البعض يتمسك به كما صديق جارتي، الذي قضى نحبه في أحد مستشفيات باريس المزدحمة بالذين يكاد يقتلهم هذا الوباء.

الذين رفضوا تلقي اللقاح يصلحون أبطالاً لرواية عن الحماقة.. حين يتوهم المرء أنه أكثر قوة من فيروس الوباء، ويتعلم درساً لا يستطيع حتى الكتابة عنه لأنه قضى نحبه في أحد المستشفيات، وسيمضي إلى قبره باكراً بسبب حماقته.

رواية الانتحار في لبنان

إذا كانت باريس ترتدي أجمل حللها الضوئية بمناسبة السنة الجديدة في شارع الشانزيليزيه وبرج إيفل وغير ذلك، فإن بيروت تقصر في زينتها؛ لأن الزينة انعكاس لما في القلب من مباهج أو أحزان. والمقلق أن الكثير من اللبنانيين ينتحرون هذه الأيام جراء الاكتئاب لما يدور، وهم ضحايا أزمات بلادهم، وليسوا في مزاج للزينات والمباهج.. من الصعب على الجيل الشاب أن يعايش أزمات تهوي فيها الليرة اللبنانية إلى القاع، ويجد الشاب نفسه في قاع الزجاجة ولا يدري كيف يغادرها.. لكن هل الانتحار هو الحل؟ أعتقد أنه من الجميل أدبياً أن يكتب مبدع شاب «كوابيس بيروت» هذه الأيام بعد تلك الكوابيس التي كتبتُها أيام الحرب الأهلية. أم أن الحرب الأهلية ستتجدد وتتكرر بفعل حماقة البعض، وبينهم بعض حكامها؟

رواية عاطفية وسرقتي لها!

القراء يحبون قراءة الأحداث العاطفية، والزمن لا يبخل على الكاتب بروايات كهذه.. منها عشيقة زوج أليسا ماي الفرنسية، والمفاجأة أن زوجها خانها مع أمها (مع حماته!) حين كانت حاملاً، وهو خبر قرأته في مجلة فرنسية مع الصور (كلوسر، العدد 14480).

وقبلها، قرأت في إحدى المجلات عن رجل خان زوجته دون أن تكون حاملاً، وعشيقته هي أمها، إذ أغرم بأمها «حماته» وأغرمت به، وما كان من الزوجة المغدورة إلا أن باركت هذا الحب، وبعد طلاقها وزوجها حضرت حفل زواج أمها مع زوجها السابق!

فالحياة وما يدور فيها من أكثر الروايات غرائبية، وكل ما على الكاتب أن ينظر حوله جيداً بعين مبدعة ليكتب أصدق الروايات، وهذه فقط أمثلة لرسائل تصلني باستمرار وتسألني: من أين تستوحين رواياتك؟ يا أعزائي، أنا لا أستوحيها فحسب، بل (وأسرقها) من الحياة اليومية التي نعيشها بأحزانها وخياناتها وجراحها.

السرقة من أحداث المطارات

هبطت من الطائرة في مطار نيويوركي، وكنت أعرف أن أخي الذي يحمل أيضاً الجنسية الأمريكية في انتظاري في قاعة الانتظار. وحين مررت على ضابط الجمارك سألني: هل أحمل معي ممنوعات؟ وكنت أعرف أن إدخال الطعام إلى U.S.A غير مرغوب به، وقلت له الحقيقة: معي «كراكرز» أي الحلوى البيتية لأخي لأنه يحبها.

وانتفض ضابط التفتيش عن المخدرات قائلاً: معك «كراك»؟ ولم أكن أعرف أن «كراك» مخدر لعين ويمكنني دخول السجن لأعوام طويلة إذا اقترفت ذلك، لكنني بدلاً من أن أصحح له كلامه وأقول له (كراكرز) يحبها أخي، صادقت على كلامه وأضفت: هل تحب أن تذوقها؟

وهنا انفجر موظف ضبط المخدرات ضاحكاً وسألني: معك (كراك) وتريدين التكرم بأن أذوقها؟ فقلت له: بالتأكيد. أعرف أن إحضار أي طعام إلى U.S.A أمر ممنوع، لكنني أحضرت كمية صغيرة إكراماً لأخي.

وانفجر ضابط المخدرات ضاحكاً من جديد، فقد أدرك أنني لا أعرف أصلاً ما هو الكراك (المخدر اللعين الممنوع مثل الكوكايين والهيروين) كما عرفت فيما بعد!

وتركني أمر دون أن يذوق أصلاً (الكراكرز) التي أردت تقديمها إليه. ويبدو أن شرطة ضبط المخدرات تعرف كيف يتصرف حامل المخدرات، ولذا لم يحاول الضابط حتى تفتيشي.

وهذا المشهد يصلح لبداية رواية عن قادمة/قادم إلى نيويورك للمرة الأولى. وكل ما أرغب قوله هو ببساطة: الموهوب سيجد بحراً شاسعاً من الأحداث، وكل ما عليه هو أن يتقن اختيار (الأحداث) الروائية ويكتبها بإبداع.. فاكتبوا!








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي