وقفة مع حاتم الصكر

عن العربي الجديد
2021-11-11

حاتم الصكرتقف هذه الزاوية مع مبدع عربي في أسئلة سريعة حول انشغالاته الإبداعية وجديد إنتاجه وبعض ما يودّ مشاطرته مع قرّائه. "أود أن أرى كيف يقضي ابني عدي أيامه في الغياهب التي ألقاه فيها القتلة" يقول الكاتب والناقد العراقي لـ "العربي الجديد".


ما الذي يشغلك هذه الأيام؟
حياتياً: أزداد انشغالاً بما ينتَظِرُ وطني العراق من مجهولٍ تتقاذفه أهواء السياسات والسياسيين فيما لا يلوح ضوء في الأفق. ثقافياً: يشغلني موضوع المثاقفة مع الآخر، كونها من كوابح التطرُّف والانعزال، وتجاوزاً للقطيعة معه كتراثٍ أو فكرٍ إنسانيّ، ومن الاتّباع المذلّ غير الواعي لما لديه من منجز. وبهدف إمكان التبادل المؤثّر، لا بما جرى في ثقافته من تنميط لشخصيَّتنا وتاريخنا وثقافتنا، احتكاماً لمدوّنات تمّت قراءتها شعبوياً.

ما هو آخر عمل صدر لك؟ وما هو عملك القادم؟
قبل شهر صدر لي كتاب مشترك مع الفنان التشكيلي العراقي غسان غائب. دَرَسْتُ أعماله الأخيرة التي ضمّتها دفاتره الشعرية المعتمدة على التركيب والفن المفاهيمي لمستلّات من قراءاته الشعريّة المتنوعة. كان العنوان "كن شاسعاً كالهواء" وهو بيت لجلال الدين الرومي. وضمَّ صوراً للعديد من أعمال للفنان. عملي القادم هو طبعة جديدة من كتابي "الثّمرة المحرَّمة" لأضيف له ما لم أستطع اختياره من نماذج ذات دلالة على أطروحة الكتاب حول واقع قصيدة النثر، وآفاق كتابتها.

هل أنت راضٍ عن إنتاجك ولماذا؟
رضىً يشوبه أسف أحياناً، لأنّي أهدرت سنواتٍ وفرصًا في أن أكون أكثر قرباً من موضوعاتي، لاسيَّما وقد خُضتُ في قضايا الحداثة والمعاصرة من جوانب عدة، لكنَّني أطالع منجزي الآن، وأقيسه بما عشت من ظروف وما أحاط بي من أزمات، فأجدني راضياً عن نفسي وعنه بالضرورة.

لو قيّض لكِ البدء من جديد، أي مسار كنت ستختار؟
حين أجيب عن مثل هذا السؤال، أستحضر دوماً قول الشاعر الإسكندري كافافي في قصيدة "المدينة":
"ستلاحقك المدينة وستهيم في الشوارع ذاتها
وستدركك الشيخوخة في هذه الأحياء بعينها وفي البيوت ذاتها
ومادمت قد خرَّبتَ حياتك هنا، فهي خراب حيثما حللت".
لكنَّني أقوم بتحويرها لتَصْدقَ على الزمن المستعاد. فما دمت قد خرّبت حياتي في هذا الزمن، فإنه سيلاحقني، وسأعيش سويعاته وأيامه نفسها حتى لو عاد، هو زمنٌ مُخَرَّبٌ أنّى أكون وأحيا.

ما هو التغيير الذي تنتظره أو تريده في العالم؟
العدل المفقود، والسلم القائم على أساسه. هذا ما يعوزنا، ونحن نرى أوطاننا تُستلب بشتّى المسمَّيات: دكتاتوريات واحتلال، عنف وتطرف، وردّات فكرية واجتماعية. حتى لينالني اليأس من أيِّ تغيير ممكن. وهذا ربما كان الدافع الأهم في انصرافي للكتابة، وما يتداعى عنها، فهي خلاص، حين لم أجد ما أنجو به سواها.


شخصية من الماضي تود لقاءها، ولماذا هي بالذات؟
من الماضي القريب، هي شخصية ابني عديّ دون شك. لأرى كيف يقضي أيامه في الغياهب التي ألقاه فيها القتلة، وماذا يقتات في غيابه عنّا من أملٍ وصبر. ومن الماضي الأقدم، بودّي أن أدخل على أبي العلاء المعرّي في مَحبَسه – أو سجنه كما يسمّيه - في معرّة النعمان، لأُقاسمه حيرته، ولغز الحياة الذي أنهك عقله، وشعره، ونثره، وأُحدِّثه عمّا تضاعف من جهل ودجل، وتديّنٍ زائفٍ أودى بأشعاره ورسائله وتمثاله أيضاً. ولأرى كيف يَلمسُ الكتب ويهتدي إليها في عماء العالم من حوله، فينير طريقه الملبّد بالحيرة والسؤال.

صديق/ة يخطر على بالك أو كتاب تعود إليه دائماً؟
أزعم دوماً أنني ثري بصداقاتي الجوهرية التي ترمِّم انكساراتي. وهم قبيلة من الآلاف والمحبين والأصفياء. يعزُّ عليَّ أن انفرد بواحد منهم في ذاكرتي، حيث تزدحم بهم فضاءاتها. وبذا يصبح الأخ، والأخت، والأبناء، والأحفاد، اصدقاء لا يفارقون الذاكرة أيضأً. هم معي في البال أتحسس ما يعانون. ثمَّة أكثر من كتاب أعود إليه بالتأمُّل والدرس أحياناً، منها "كَليلة ودمنة" للمبنى الحكائي المتوائم مع رمزيَّة شخصياتها، وأحداثها، ودواوين الشعراء المتنبي وأدونيس ومن الناثرين والساردين الجاحظ وسرده الموشى بالفكرة، والطرفة، والَّلمحات الذكيّة، ورواية "أولاد حارتنا" لــ نجيب محفوظ في ترميز حكاية الكون والنشأة، وسيرورة الحياة العجيبة على هذا الكوكب.

ماذا تقرأ الآن؟
- كتابا آخر من حوارات الشاعر إسكندر حبش، وهذه المرَّة مع الشاعر وديع سعادة. "نثر حياة بين ضفتين" يقود فيه حبش الحوار في عمق الشعر، والحياة، والفن، وما ينبغي بصددها. مع سيل ذكريات شخصية، وبيئيّة، وثقافيّة، يسترجعها وديع سعادة بشاعرية وعذوبة. مختوماً بمختارات من شعر سعادة.

ماذا تسمع الآن وهل تقترح علينا تجربة غنائية أو موسيقية يمكننا أن نشاركك سماعها؟
صلتي بالموسيقى والغناء تضعف ربما بسبب انصرافي للكتابة. وتدركني الغربة الطويلة التي عشتها، فأستعيد بسبب الحنين المفرط، أغاني الجنوب العراقي الذي تنحدر أسرتي منه. تستهويني الموسيقى الكلاسيكية. وأود استعادة قصيدة جبران "أعطني الناي" بصوت فيروز الذي لا يبعد كثيراً عن الأوبرالية التي أحب. ولأنّها تذكّرني بطلبتي الذين استمعوا لها معي، بعد أن حللنا النص الشعري.

 
بطاقة
كاتب وأكاديمي عراقي، ولد في بغداد عام 1945، ويعيش منذ عام 2011 في تينيسي بالولايات المتحدة. عمل مدرساً للأدب والنقد في جامعة بغداد، وصنعاء، وعمل رئيساً لتحرير مجلة الأقلام، والطليعة الأدبية. حصل على جائزة الإبداع العراقي لعام 2017.

له أربعة دواوين شعرية، واثنان وعشرون كتاباً نقدياً، أحدثها: "أقنعة السيرة وتجلياتها ـ البوح والترميز في الكتابة السير ـ ذاتية" (2017)، و"نقد الحداثة- قراءات استعادية في الخطاب النقدي المعاصر وتنويعاته المعاصرة" (2019)، و"الثمرة المحرمة - مقدمات نظرية وتطبيقات في قراءة قصيدة النثر" (2019)، و"تنصيص الآخر - المثاقفة الشعرية والمنهج ونقد النقد" (2020).







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي