هذه غبطة الطريق.. هذا أوّل القافلة

2021-11-02

جزء من عمل لـ بير كيركبي/ الدنمارك

عاشور الطويبي*

 

الزرقة في كفّ طفلة

 

زرقة السماء في كفّ طفلة

زرقة البحر في كفّ طفلة أُخرى

البطاطا تصغي عميقًا

إلى الأرض وإلى القنافذ تعبرُ الحقل تترنّح

بين الأشجار سكرانة تترقّب الزلزلة

مَن يفتح باب الريح في برّية قاحلة؟

مَن يهدّئ لوعة الأعشاب من لسعات البرد؟

السؤال المعلّق بين وقت ووقت،

فسائلُ نخلة خرساء

"ستأتي بالأسماك الأغنيةُ، ستقلّبها على ظهورها

وتُعيدُ أحلامَها إلى أرخبيل وحشي"، يقول الصيّاد.

 

■ ■ ■

 

تعال نحصي أحزان البحر

 

تعال نحصي أحزان البحر

كيف نفعل ذلك؟

نجمع الرياح من قبضتيه

نسوّي تجعيداته الفضّية

ندلق دلو الضحكات المخفي في قاربه

نفتّش عن الشموس في قلبه

نتلصّص عليه حين يتقَيّلُ على الرمل

هل يرتجف البحر أم حسبه أصداء هديره؟

نسأل عيون الأسماك في الأراضي البعيدة

نسأل الحصى المستدير اللمّاع

نسأل الأعشاب في صلواتها

هل يرتجف البحر أم حسبه...

 

■ ■ ■

 

العشب بريد الأرض

 

العشبُ بريدُ الأرض،

خادمُ عَسَسها وجيشها الذي لا ينام

اتبعْ أنفاسه وانظرْ كيف يتناثر الكلام

في أيدي النسوة العاملات الفقيرات

كيف تلتصق الأجساد ُبالأجساد

ويقرعُ العبيدُ طبل الأحزان

آنَ يقترب القارب من الشاطئ،

يرفع دبيبُ الأرض راياتهم على أعناق النخيل

آنَ تصدح أغاني الطائر في السهول والبوادي،

يكون نهارٌ، ويكون ليلٌ:

في حقل الزعفران في طاحونة الشعير

خلف الجبل، خلف بيت الكاهنة،

الجائعون الخائفون، واقفون عند حافّة نار تستعرْ

عند خدّ الوادي العريض عند مناحة الكائنات

بيوت الزاهدات الحزينات،

تُشير دائمًا إلى خديعة أو فجيعة

حصاةٌ باردةٌ تغوص في الماء، عريانة،

تدخل صدف الحيرة تدخل مرجان النسيان

هذه غبطة الطريق، هذا أوّل القافلة،

خذْ سريرك معك، الدنيا كلّها نوم

قفْ أو تقدّمْ،

أصغِ أو تكلّمْ بألف لسان

انهضْ مع الأطيار،

غبْ غيبة الضفدع أو غيبة الحلزون

لكَ كلّ شيء ولا شيء.

هذه ناركَ وهذا ختم الحجر.

 

■ ■ ■

 

مَن وضع الحرب في خندق

 

في غرفتي المطلّة على بحر صبراتة،

يأتي النوم، ويأتي المطر

يتبعه أجناد البرق وأجناد الرعد،

يقفون عند عتبته صفّا صفًّا

أسمعه ينحني على الأرض، يربّتُ عليها

ثمّ، يهطل عبقُ الترابِ  العطشان،

يحرق لهفة الروح

الطفلُ الذي كنتُه، لماّ يزل يحمل في

قلبه قفزة الماء في القطرة

الطفلُ الذي كنتُه، لمّا يزل يستعيد على

وسادته حلمه المبلول

لن يعرف أحدٌ،

مَن وضع الحرب في خندق،

مَن كسرَ جناحي البومة الشهباء

لن يعرف أحدٌ، رعشات ساقيِّ الرجل

في طريقه إلى المحرقة

كان على الميّت أنْ يقرأ السماء جيّدًا،

أنْ لا يشتهي مكيدة المِحبرة

رحلوا تاركين وراءهم دخان نيرانهم

بين الجبال والسهول

كلّ يحمل على رأسه شجرة قلبه

أو خِفّة نعشه

رحل الطاغية، غسلوا دمه

علّقوا على خشبة عالية رأسه.

 

■ ■ ■

 

حرائق في كلّ بيت وكلّ طريق

 

الغزاة القادمون من البحر،

ينتظرون إشارة قائد مُلهمٍ،

أو لعنة نبيّ

امتلأ البحر بقواربهم، عبيدهم، جندهم،

والكثير من نبيذهم

سيّان ترك صبيّ على الشطّ

وترك مجداف تحت شجرة سدر

انزلوا كثبان الساحل،

حاملين على ظهوركم اسلحتكم وماءكم وتمركم

لا تتردّدوا في قنص فريسة،

أو قطف يأس العالمين من عتبات الأبواب

إنْ تعبتمْ وجّهوا أبصاركم صوب نجمٍ وهّاج،

غناؤه سلوى لكم

هنا سقيفة الموتى

هنا سقيفة اللصوص والسكارى

هنا كائنات الغابة،

هنا المرابون والسعاة والمحامون المرتشون

حرائق في كلّ بيت وكلّ طريق

لقد خبا فتيل السراج

تقدّم يا فتى،

اشرب على جثّتك نخب الانتصار

ليت لي يدين أكفكف بهما

دمع النازحين وحشرجة الميتين

ليت لي قدمين أمشي بهما إلى

بيداء، أغرس فيها الصنوبر والخرّوب

ليت لي فرساً صاحبة أمرها،

تصهل للشهوة وتنتشي لأغاني الهاربين.

 

■ ■ ■

 

الحياة في خفقة جناح

 

الصقر يتطلّع إلى السماء مرّة،

وإلى بتلات الزهرة مرّة

الحياة في خفقة جناح،

والغياب في تلويحة يد فلّاحة عجوز

بين الأشجار تتردّد أصداء الأجراس،

بين الأشجان الخالدة يبني الطائر عشّه. 

إلى القمر الكبير ترنو بعينها الساقية

على خشب الشرفة توقّف الزمان،

تصدّع جدار الدهشة

وعلى مهلٍ اِنداح الليلُ

حوّمتْ البوم في أركان الأرض تقطف

الأحلام الشاردة

لو تحمل في قبضة يدك يا رجل،

زفرة الخائف الجائع

اطرحها على الأرض الخانعة،

ولا تدخل في المصيدة الحجرية!

اقتربْ من الجبل، ماذا ترى؟

أرى جداول ماءٍ تسيل وثعالب تقفز،

ونساء يتلصّصنَ على الريح

هاتِ ما عندك،

تقدّم اقتحم النار الحامية

لقد بدّلتُ جلدي ألف مرّة،

وسرقتُ من الشجرة قصيدتها العظيمة.

 

  • شاعر من ليبيا

 








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي