تحوّلات آلة

2021-10-30

منذر جوابرة/ فلسطين

جعفر العلوني*

 

إعادة تدوير

 

من وراء الشرفة،

يبدو البحر كأنّه نسخةٌ طِبقَ الأصل

عن محيط يتموّج في لافتات شركةٍ سياحيّة.

كان واسعاً لدرجة ألا أفق له،

كان أزرق،

وكنتُ أراهُ من وراء شرفةِ المقهى الذي أنتظركِ فيه،

في مكاننا نفسه،

بقلبي المظلم والبائس نفسه.

منذ أن رحلتِ، أعيدُ تدويرَ نفسي،

أتحدّثُ إليكِ من أجل أن أتحدثَ مع صدإي

أكتشفُ فيّ أطيافاً لا أعرفهم،

حيواناتٍ لم تروّض بعد،

نباتاتٍ غامضة

سلالات معدنية غير مصنوعة،

أبعاداً لا نظام لها إلا الفوضى.

أكتشفُ فيّ حيرتي.

الوقت من حولي يذوب في كأسٍ أحمر

والكونُ زبونٌ أجنبيٌّ يخلع قميصه المُورَّد.

مع ذلك لا زلتُ أنظرُ في السراب وأحاكي ألمي

الكلمات لا شكل لها،

صارت غباراً تنفضه أحصنة المعدن.

أنتظرك في كل الأماكن،

في البيت، في المقهى، في الطريق، على مقود السيارة،

في شاشة الحاسب،

في الكأس، وفي هذا الفأر الآلي.

أنتظرُكِ في كلِّ حرفِ أدقّه على هذا اللّوح المعدنيِّ

أبجديةً لنا،

أنتظركِ عند الفجر

حين تقشرين جروحك،

وتتفتحينَ على ضوء شاشتي

ويخرج جسدك من أسفلت المعدن.

أعرفُ لست إلا أطيافاً وأحلاماً،

مع ذلك أنتظرك.

ها هي الشمس تسقط في سريرها الأزرق

جاء وقت الرحيل،

كلما أعدتُ تدوير نفسي،

جهلتكِ أكثر.

من أنتِ؟

■ ■ ■

 

نسخة طبق الأصل

 

ما أكثرني!

النسخ الموجودة عني لا نهاية لها.

النسخ الموجودة عني

تختلط فيما بينها:

لا حدودٌ ولا أسلاك!

أهذا أنا أم نسخة عني؟

الهوية مساراتٌ هشّة

والوعي لعبة قفز بين نسخة وأخرى.

النسخ الموجودة عني مفتوحةٌ على أفقٍ جائعٍ.

النسخ الموجودة عني تتعاقب مثل الأحلام.

من فرطها لم أعد أعرف من أكون.

هكذا نسيتُ وجهي

بدلتُ سربالي،

ولبستُ وجه النسخة التي تكتبُ هذه القصيدة.

■ ■ ■

 

هامش غير آلي

- هل يمكن أن يكون، حبَّاً، هذا الذي بيننا؟

كان الميناء وحيداً مثلنا في الشتاء يتذكرُ سلاسل ألعاب إلكترونية

انعكست أشعتها من شاشة هاتفكِ الطائر.

وليس بعيداً عنه، بين الضباب أو ما يسمونه جسد الغيم،

كانت السفن الصناعيّة وناقلات الوقود العملاقة

التي تندت وجوهها بالديزل المطهر من الكبريت

تنسج من حدود ثورتنا آخر أثوابها.

الضباب-

كنّا قد اخترناه لكي نبقى مهمشين،

لكي نهرب وننسى هذا البلد الأمين.

- نعم، حتى الآن، ثمة مكانٌ للحبِّ.

يريدون أن ينسجونا خيوطاً في هيجان تشريعاتهم 

يريدون أن نكون فراغاً في فضاء ثقافاتهم،

وبعد أن كرهنا الشعر والفكرَ بسببهم،

حوّلوا السياسة إلى برنامج حواريٍّ في استديوهات تلفزيونية،

ونوّعوا القنوات.

أحتاجُ إليكِ.

أحتاجُ إلى جسدك،

والضوء والدفء والنّفس وأشكالك الأكثر حميميةً.

نمنا في ملاجئ،

في نُزلٍ غامضة،

في غرفٍ على هوامش قوانينهم،

مثل المهاجرين والمشرّدين،

ورحنا نقرأ في الصحف والجرائد

كيف انتشر الفساد،

رحنا نرى في شاشات تلفزيونية يتأوه الضوء فيها

كيف يتنبّأ المفكرون الرسميون

أنَّ التاريخ قد وصل إلى نهايته.

وفيما كنا نقاتلُ وجهَ الحضارة وهذا الشكل منها،

ألقت بثقلها علينا،

وهكذا على أثير الراديو، وفي ظل التلفزيونات،

في صدأ الآلة،

بين الأعمدة والسطور الرصاصيّة،

رأينا وجهها المزيّف يتحول أليفاً بيننا

ويكوّن جسد المجتمع الذي يجب أن نحيا فيه.

العراء! العراء!

- هل تريدُني أن أتعرى أمامك؟

كانت كل كلمةٍ تضيء نطاقات عطشي

ولم أكن أبحثُ فيكِ عن الماضي

كي لا تصبح كلماتي شعاراتٍ تُعلق على هياكل إعلانية في الطرق وأمام المارة.

كنتُ أبحثُ عن ريق فمكِ

لنجعل من الإباحة تنزيلاً جديداً.

هكذا على أضواء مصابيحهم وعواء الكلاب الآلية

أبحرت أعضاؤنا في عرق الأسئلة

التي لم نتجرأ أن نجيب عليها،

لم نقدر أن ننام من ملاك الخوف المعدني الساهر علينا،

اتهمونا بأننا حطمنا نظام الأشياء

أننا فتحنا قلب التاريخ لنكتبه من جديد

أننا عطلنا الحياة العامة.

عرفنا أننا انتصرنا في ثورتنا قبل أن نشعلها.

كنا غير مرئيين،

وكانت أفكارنا لا علاقة لها بالآخرين:

كل تحوّل هو تشيّدٌ لفكر جديد في العالم.

مع ذلك، لا وجه لنا،

هويتنا فعل ولا فاعل له،

مثل الشتات.

- نعم، تعري.

كان خصركِ يلخص دوران الأرض

والزمن واقف يتفرج.

كنتِ المكان الذي تحسّست فيه،

أول مرة،

قيامتي الجديدة.

 

  • شاعر ومترجم سوري

 

 








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي