ذي إنترسيبت: كولن باول كان رجلا طيبا ولكنه دمر العراق وخانته الشجاعة في لحظة قول الحق

2021-10-19 | منذ 2 شهر

كولن باول كذب حول امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل (أ ف ب)

علق بيتر ماس في موقع “ذي إنترسيبت” على رحيل وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باول بقوله “كان رجلا طيبا دمر العراق”، فكوزير للخارجية كذب حول امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل. وأضاف أنه في الحديث عن وفاة باول تم وصفه بالرجل الرائد، وهذا صحيح.

فقد ولد في حي برونكس بنيويورك لوالدين مهاجرين، وتخرج من “سيتي كوليج” في نيويورك وتدرج في سلك العسكرية ليصبح في أثناء حرب الخليج الأولى رئيس هيئة الأركان المشتركة في ظل إدارة جورج هيربرت بوش. وبعد ذلك عمل، كما صار يعرف كأول وزير خارجية أسود في إدارة جورج دبليو بوش. ولأهميته لم يجد معاصروه كلاما جميلا لمديح مقامه العالي. فقد كتب الأدميرال المتقاعد جيمس ستارفريدس “كولن باول كان نجمة الشمال لجيل من الضباط البارزين في الجيش الأمريكي بمن فيهم أنا”. وبالنسبة لريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية “فهو أصدق شخص من الناحية الفكرية قابلته أبدا”.

 لكن القصة مختلفة بالنسبة لملايين العراقيين ولن يشتركوا في هذا الشعور، فمنذر الزيدي الصحافي الذي اشتهر برميه حذاء على جورج بوش أثناء زيارته لبغداد عام 2008، عبر عن حزنه لوفاته قبل محاكمته على جرائمه التي ارتكبها بحق العراق والعراقيين وفي العراق، حيث أكد في تغريدته أن عدالة السماء ستنال منه.

 وعادة ما يشير أصدقاء باول في أمريكا وبلطف إلى ندمه على أهم قرار مؤثر في حياته. ففي 5 شباط/فبراير 2003 قدم باول خطابا من 76 دقيقة في مجلس الأمن الدولي حاول فيه تبرير قضية إدارة بوش لغزو العراق. وأكد أن الزعيم العراقي صدام حسين يشرف على برنامج سري لإنتاج أسلحة الدمار الشامل. ولوح باول أثناء كلمته بصور التقطتها الأقمار الاصطناعية وكان واثقا أنها صور لشاحنات وأنابيب ألمنيوم وغير ذلك من الأدوات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل، بل وحمل في يده قارورة قال إنها تحتوي على غاز أنثراكس. وكانت هناك مشكلة في كل ما قدمه من “حقائق” التي كانت في الحقيقة “أكاذيب”.

وكانت المعلومات الاستخباراتية التي قدمها غير ما أكد- فهي خاطئة ومزيفة وتم التلاعب فيها. فالشاحنات هي شاحنات عادية والأنابيب هي أنابيب عادية والأهم من كل هذا فلا يوجد هناك أي سبب حقيقي يدعو لغزو العراق.

 ومع ذلك، والفضل يعود لمرافعة باول، مضت إدارة بوش في خططها وغزت العراق، وفي الكارثة التي أعقبت هذا قتل مئات الآلاف من العراقيين وأكثر من 4.000 جندي أمريكي. وبالتأكيد لا يوجد هناك نقص في زمرة بوش الذين لديهم حصيلة من الخبث أكثر من باول ونعرف أسماءهم بشكل جيد: ديك تشيني، دونالد رمسفيلد، بول وولفويتز، جورج تينت وكوندوليزا رايس بالإضافة لبوش نفسه.

 ولكن باول كان رمزا استثنائيا بطريقة لن تعطي صورة جيدة عن إرثه. فقد كان الشخصية العامة الوحيدة القادر على إحباط خطط البيت الأبيض ومنعه من المضي في الغزو المجنون، وفشل.

 وفي مقال معمق نشره العام الماضي روبرت درابر تابع فيه النتائج التي كان يمكن أن يؤدي إليها موقف باول، أشهر شخصية في حكومة بوش ما بعد هجمات 9/11 لو قال الحقيقة. ماذا لو قال بنفس الصوت الذي أعلن على الملأ أهمية غزو العراق، لبوش في حديث خاص معه أن الحرب هي خطأ وستترك نتائج غير محسوبة، كما اعترف لاحقا؟ ماذا لو رفض طلب بوش التحدث في الأمم المتحدة؟ وكان هذا يعني استقالة باول ومعه الفريق الذي يتعامل مع الموضوع العراقي. ولو فعل هذا لبدأت أحجار الدومينو بالتساقط، ولتبعه بالتأكيد وزير الخارجية البريطاني جاك سترو، مما يعني تدحرج الدعم البريطاني للغزو.

وفي الولايات المتحدة فقرار باول لو حصل كان سيدفع المتشككين في الصفوف العليا من الجيش الأمريكي للتعبير عن مواقفهم بصراحة، وإعادة النظر في المعلومات الأمنية. وقام الديمقراطيون الذين تخلصوا من الانتخابات النصفية بالانضمام لكورس المعارضين. ولم يمض باول في هذا الطريق لأنه لم يقف في وجه بوش. وأخبر باول درابر “لم يكن لدي أي خيار” و “أي خيار كان لدي؟ فقد كان الرئيس”. والمفارقة الساخرة هي أن باول ليس الوحيد الذي لم تكن له الشجاعة في مسيرته، بل ومسيرة الكثير من الجنرالات الذين كانوا يفتقدون بشدة إلى الشجاعة عندما دعت اللحظة مع أن ما يملكه الجنود وبوفرة هي: الشجاعة. وتاريخ الحربين في العراق وأفغانستان حافل بالأمثلة عن الجنرالات الذين تم الترحيب بهم كأبطال لكن لم تكن لديهم الجرأة للوقوف أمام نزوات وإملاءات رؤسائهم. ومات وجرح الملايين منذ 9/11 بسبب فشلهم.

واستقال باول من إدارة بوش في عام 2004 ولم يتحمل مسؤولية ما فعل. واعترف أن خطابه أمام الأمم المتحدة لم يكن دقيقا ووصفه في مقابلة مع الصحافية الشهيرة باربرا وولترز بأنه “مؤلم” و “لطخة” في مسيرته. وقدم هذه التصريحات بعد فترة قصيرة من مغادرته المنصب وهي أبعد ما يمكن عمله من ناحية استرجاع ما حدث أو نقده. ولم يكن قادرا على الاعتراف بالحقيقة التي اعترف بها اليوم مدير طاقمه لورنس ويلكرسون “شاركت في خدعة على الشعب الأمريكي والمجتمع الدولي ومجلس الأمن الدولي في الأمم المتحدة”.

ولم تؤثر “اللطخة” على سمعة باول في الولايات المتحدة، لأنه استمر في التقدم والعمل بعد كارثة العراق في مجال الشركات المربح. وانضم إلى مجلس إدارة سيلزفورس وبلوم إنيرجي وأصبح “مستشارا استراتيجيا” للشركة المالية كلاينر بيركنز. وكان غنيا أصلا فقد تلقى 6 ملايين دولار مقدما على مذكراته عام 1995 “رحلتي الأمريكية”. وكان رائدا في هذا المجال، ولجيل من الجنرالات المتقاعدين والذين تحولوا لوضع 1% من المراجعات المتملقة التي يحصلون عليها من الدوائر السياسية والثقافية، مهما كانت نتائج أفعالهم وهم في الحكومة.

وكان باول رائدا في أكثر من مجال، مع أن مسيرته معقدة كما كتب تيريل جيرمين ستار وكارين عطية بعد لحظات من إعلان وفاته. وقالا إنه كان شخصية مهمة للكثير من السود الأمريكيين قبل انضمامه لإدارة بوش. وقالت عطية “حزينة جدا لوفاة كولن باول مع اعترافي بدوره في القرار الأمريكي المتهور لغزو العراق”. وحاول الباحث والصحافي مارك لامونت هيل الحديث بنفس النبرة “على المستوى الشخصي كان باول رجلا طيبا” و “رائدا أيضا” و “لكنه كان قائدا عسكريا واستراتيجيا مهما في إمبراطورية قتلت أعدادا لا تحصى من البشر وقوضت سيادة عدة دول. وعلينا الاعتراف بهذا وبصدق في نصبنا التذكارية”.

المصدر: القدس العربي






كاريكاتير

إستطلاعات الرأي