العزاءات دائماً في مكان آخر

2021-10-18

 ناتالي الخوري غريب*

الكآبة خطيئة، هكذا يصرّح كيركغارد، خطيئة عدم الإرادة بعمق وصدق، ليصل إلى أنّها أمّ الخطايا كافّة. يقولها في معرض الكلام على تطلّب الروح شكلا أعلى تدرك فيه نفسها كروح، وحين لا يكون لها ذلك، يتمّ إيقاف الحركة، وإذا كُبتت، تظهر الكآبة حينذاك.

ولنا أن نرى إلى الأمل على أنّه أبو الخطايا.

فالأرض ملأى بنسلهما. المفارقة أنّ هذه الأرض «رحم وقذارة» منظورا إليها في كينونتها. نحن منها وهي منّا. ولا عزاء في المفارقات.

الحاجة إلى الآخر حتميّة، لكنّ هذا الآخر هو نفسه بِوَصف سارتر الجحيم، وقد اختبره كثر.. المفارقة أنّ سرّ كليهما حاضر في وعي الإنسان ذاته. هذا السرّ شبيه بالسهم الذي لم يُمِت أنتيغون إلا حين سُحب من قلبها. ولا عزاء في ذلك.

العزاءات دائما في مكان آخر. في الصورة التي لا تسعى إلى اكتمالها. في التشكّل المستمرّ للصدفة. في الطريق التي تسلكها وليس النهاية.

نلجأ إلى اللامرئي بحثًا عن عزاءات، إلى شيء ما روحاني، نشعر به دون أن نراه، تستحضره الذاكرة من ترسبّات راكمتها فوضى القراءات والتخيّلات والأساطير.. لكنّنا نعود من رحلتنا مدركين أنّه لا عزاء في الأسطورة.

نلجأ إلى الغيبيّات وما زرعته الأديان في نفوسنا صغارا، عن عالم آخر بعيد، أرض العزاءات في الرجاء والعدل والحياة الأبدية. لكنّنا نعيش هنا. والأرض أرض، والغيب غيب. فعزاءات الـ»هناك» البعيد، بعيدة عن العين والقلب والروح التي تبحث عن عزائها هنا.

نلجأ إلى حدس أو شعور أو فكرة، ومن ثمّ نلبس هذه الفكرة موضوعا تتجسّد به، فيصبح مادّة، سرعان ما ينقضّ عليها الزمن ليحوّلها إلى لا شيء.. كمنحوتة بلا موضوع، بلا معنى.

نلجأ إلى الفلسفة، بحثا عن عزاءات لا نجدها في مكان آخر، الاتجاهات كثيرة، لكنها تمتلئ أيضا بالمفارقات. يعرض ألان دو بوتون في كتابه «عزاءات الفلسفة» أمثلة عن أنواع كثيرة عما يمكن أن تقدّمه الفلسفة من عزاءات، من خلال تجارب شخصيات من عصور وأمكنة مختلفة، نذكر منها، تجربة نيتشه الذي يعترف بأنّ السعادة والتعاسة مرتبطتان معا بحيث لا بدّ لكل من يرغب في امتلاك إحداهما أن يمتلك أيضا قدرا مماثلا من الأخرى. ولا عزاء في ذلك.

وتجربة سينيكا الذي يمهّد لنا منذ بداية الطريق بأنّ الواقع لا يأخذ ترتيباتك وخططك وتوقعاتك في الحسبان، ولا يفكّر فيها كثيرا وهو يتّخذ مسارا مختلفا كل الاختلاف عمّا أردت. لتكون البنية الأساسية للإحباط هو تعارض أمانينا مع الواقع. أّما مع مونتين فيعرّفنا على أنواع العزاءات في مواجهة العجز الحياتي لكلّ مستوياته.

كذلك يعرض سعيد ناشيد في كتابه الوجود والعزاء، والطمأنينة الفلسفية والتداوي بالفلسفة، أهميّة الفلسفة كمنتج متجدّد للعزاءات، مع إمكانات الاختيارات المتاحة، وكيفية مواجهة خيبات الأمل والحصانة النفسية والفكريّة لذلك، لكنّها في معظمها تسلب أمورا جوهرية في المقابل.

أمّا عزاءات الحبّ، فهي تعبّر عن تلك المرحلة التي تُساق إلى خيبتها. تأخذ دورتها كاملة ولا يمكن مقاطعتها قبل ان تفعل ذلك، إذ لا يمكن ترك الدائرة ناقصة وأفضل مثل على ذلك ما جاء في رواية «كازانوفا في بولزانو» لساندرو ماراي.

ربّما تكون الصداقة، هي التجلّي الأبهى للمعنى الحقيقي للعزاء، إلى أن تأتي تلك اللحظة التي تكتشف فيها سرّ «ابتسامة الجيوكندا» في النهاية، كما حدث مع بطل رواية ألدوس هكسلي.

الروح المنكسر فراغ هائم، فراغ جائع يبحث في العزاءات عن وليمة، والبحث دوما في عناوين خاطئة.

 

  • أكاديميّة وروائيّة لبنانيّة

 








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي